تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
ومن الدلائل زهده فيما يرى من دار ذل والنعيم الزائل ومن الدلائل أن تراه باكيا أن قد رآه على قبيح فعائل ومن الدلائل أن تراه مسلما كل الأمور إلى المليك لعادل ومن الدلائل أن تراه راضيا بمليكه في كل حكم نازل ومن الدلائل ضحكه بين الورى والقلب محزون كقلب الثاكل
بيان معنى الأنس بالله تعالى قد ذكرنا أن الأنس ، والخوف ، والشوق ، من آثار المحبة . إلا أن هذه آثار مختلفة تختلف على المحب بحسب نظره وما يغلب عليه في وقته . فإذا غلب عليه التطلع من وراء حجب الغيب إلى منتهى الجمال ، واستشعر قصوره عن الاطلاع على كنه الجلال ، انبعث القلب إلى الطلب ، وانزعج له ، وهاج إليه وتسمى هذه الحالة في الانزعاج شوقا وهو بالإضافة إلى أمر غائب وإذا غلب عليه الفرح بالقرب ، ومشاهدة الحضور بما هو حاصل من الكشف ، وكان نظره مقصورا على مطالعة الجمال الحاضر المكشوف ، غير ملتفت إلى ما لم يدركه بعد ، استبشر القلب بما يلاحظه ، فيسمى استبشاره أنسا وإن كان نظره إلى صفات العز ، والاستغناء وعدم المبالاة وخطر إمكان الزوال والبعد . تألم القلب بهذا الاستشعار ، فيسمى تألمه خوفا وهذه الأحوال تابعة : لهذه الملاحظات . والملاحظات تابعة لأسباب تقتضيها لا يمكن حصرها . فالأنس معناه استبشار القلب وفرحه بمطالعة الجمال ، حتى أنه إذا غلب ، وتجرد عن ملاحظة ما غاب عنه ، وما يتطرق إليه من خطر الزوال ، عظم نعيمه ولذته . ومن هنا نظر بعضهم حيث قيل له : أنت مشتاق ؟ فقال : لا . إنما الشوق إلى غائب . فإذا كان الغائب حاضرا فإلى من يشتاق ؟ وهذا كلام مستغرق بالفرح بما ناله ، غير ملتفت إلى ما بقي في الإمكان من مزايا الألطاف ومن غلب عليه حال الأنس لم تكن شهوته إلا في الانفراد والخلوة ، كما حكي أن إبراهيم