هيجان الحب ، وهي أوصاف اللطف والرحمة ، والحكمة ، فمن أوصافه ما يلوح فيورث السلو ، كأوصاف الجبرية ، والعزة ، والاستغناء ، وذلك من مقدمات المكر ، والشقاء ، والحرمان ثم خوف الاستبدال به بانتقال القلب من حبه إلى حب غيره ، وذلك هو المقت والسلو عنه مقدمة هذا المقام ، والإعراض والحجاب مقدمة السلو ، وضيق الصدر بالبر ، وانقباضه عن دوام الذكر ، وملاله لوظائف الأوراد أسباب هذه المعاني ومقدماتها ، وظهور هذه الأسباب دليل على النقل عن مقام الحب إلى مقام المقت نعوذ بالله منه . وملازمة الخوف لهذه الأمور ، وشدة الحذر منها بصفاء المراقبة دليل صدق الحب ، فإن من أحب شيئا خاف لا محالة فقده ، فلا يخلو المحب عن خوف إذا كان المحبوب مما يمكن فواته . وقد قال بعض العارفين :
من عبد الله تعالى بمحض المحبة من غير خوف هلك بالبسط والإدلال ، ومن عبده من طريق الخوف من غير محبة انقطع عنه بالبعد والاستيحاش ، ومن عبده من طريق المحبة والخوف أحبه الله تعالى فقربه ، ومكنه ، وعلمه . فالمحب لا يخلو عن خوف ، والخائف لا يخلو عن محبة ، ولكن الذي غلبت عليه المحبة حتى اتسع فيها ، ولم يكن له من الخوف إلا يسير ، يقال هو في مقام المحبة . ويعد من المحبين ، وكان شوب الخوف يسكن قليلا من سكر الحب فلو غلب الحب ، واستولت المعرفة ، لم تثبت لذلك طاقة البشر ، فإنما الخوف يعدله ويخفف وقعه على القلب . فقد روي في بعض الأخبار أن بعض الصديقين سأله بعض الأبدال أن يسأل الله تعالى أن يرزقه ذرة من معرفته ، ففعل ذلك ، فهام في الجبال وحار عقله ، ووله قلبه وبقي شاخصا سبعة أيام لا ينتفع بشيء ، ولا ينتفع به شيء . فسأل له الصديق ربه تعالى فقال يا رب أنقصه من الذرة بعضها . فأوحى الله تعالى إليه . إنما أعطيناه جزأ من مائة ألف جزء من ذرة من المعرفة ، وذلك أن مائة ألف عبد سألوني شيئا من المحبة في الوقت الذي سألني هذا فأخرت إجابتهم إلى أن شفعت أنت لهذا ، فلما أجبتك فيما سألت أعطيتهم كما أعطيته فقسمت ذرة من المعرفة بين مائة ألف عبد ، فهذا ما أصابه من ذلك . فقال سبحانك يا أحكم الحاكمين ، أنقصه مما أعطيته . فأذهب الله عنه جملة الجزء ، وبقي معه عشر معشاره ، وهو جزء من عشرة آلاف جزء من مائة ألف جزء من ذرة ، فاعتدل خوفه وحبه ورجاؤه ، وسكن وصار كسائر العارفين ، وقد قيل في وصف حال العارف .
إحياء علوم الدين — صفحة 111
مساهمون: الغزالي
ص١١١