تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
النقدين يخالف الآخر في مقصود التوصل . إذ قد يتيسر التوصل بأحدهما من حيث كثرته كالدراهم تتفرق في الحاجات قليلا قليلا . ففي المنع منه ما يشوش المقصود الخاص به ، وهو تيسر التوصل به إلى غيره . وأما بيع الدرهم بدرهم يماثله فجائز ، من حيث إن ذلك لا يرغب فيه عاقل مهما تساويا ولا يشتغل به تاجر ، فإنه عبث يجرى مجرى وضع الدرهم على الأرض وأخذه بعينه ونحن لا نخاف على العقلاء أن يصرفوا أوقاتهم إلى وضع الدرهم على الأرض وأخذه بعينه ، فلا نمنع مما لا تتشوق النفس إليه ، إلا أن يكون أحدهما أجود من الآخر . وذلك أيضا لا يتصور جريانه ، إذ صاحب الجيد لا يرضى بمثله من الرديء ، فلا ينتظم العقد . وإن طلب زيادة في الرديء فذلك مما قد يقصده ، فلا جرم نمنعه منه ، ونحكم بأن جيدها ورديئها سواء ، لأن الجودة والرداءة ينبغي أن ينظر إليهما فيما يقصد في عينه . وما لا غرض في عينه فلا ينبغي أن ينظر إلى مضافات دقيقة في صفاته . وإنما الذي ظلم هو الذي ضرب النقود مختلفة في الجودة والرداءة ، حتى صارت مقصودة في أعيانها ، وحقها أن لا تقصد وأما إذا باع درهما بدرهم مثله نسيئة ، فإنما لم يجز ذلك لأنه لا يقدم على هذا إلا مسامح قاصد للإحسان ، ففي القرض وهو مكرمة مندوحة عنه ، لتبقى صورة المسامحة ، فيكون له حمد وأجر . والمعاوضة لا حمد فيها ولا أجر . فهو أيضا ظلم ، لأنه إضاعة خصوص المسامحة وإخراجها في معرض المعاوضة . وكذلك الأطعمة خلقت ليتغذى بها ، أو يتداوى بها فلا ينبغي أن تصرف عن جهتها . فإن فتح باب المعاملة فيها يوجب تقييدها في الأيدي ، ويؤخر عنها الأكل الذي أريدت له فما خلق الله الطعام إلا ليؤكل . والحاجة إلى الأطعمة شديدة فينبغي أن تخرج عن يد المستغنى عنها إلى المحتاج ، ولا يعامل على الأطعمة إلا مستغن عنها . إذ من معه طعام فلم لا يأكله إن كان محتاجا ؟ ولم يجعله بضاعة تجارة ؟ وإن جعله بضاعة تجارة فليبعه ممن يطلبه بعوض غير الطعام يكون محتاجا إليه . فأما من يطلبه بعين ذلك الطعام فهو أيضا مستغن عنه . ولهذا ورد في الشرع لعن المحتكر ، وورد فيه من التشديدات ما ذكرناه في كتاب آداب الكسب نعم بائع البر بالتمر معذور ، إذ أحدهما لا يسد مسد الآخر في الغرض ، وبائع صاع من البر بصاع منه غير معذور ، ولكنه عابث ، فلا يحتاج إلى منع ، لأن النفوس لا تسمح به