فهذا أحد النظرين . النظر الثاني : نظر من لم يبلغ إلى مقام الفناء عن نفسه وهؤلاء قسمان : قسم لم يثبتوا إلا وجود أنفسهم ، وأنكروا أن يكون لهم رب يعبد . وهؤلاء هم العميان المنكوسون وعماهم في كلتا العينين ، لأنهم نفوا ما هو الثابت تحقيقا ، وهو القيوم الذي هو قائم بنفسه وقائم على كل نفس بما كسبت ، وكل قائم فقائم به . ولم يقتصروا على هذا حتى أثبتوا أنفسهم . ولو عرفوا لعلموا أنهم من حيث هم هم لا ثبات لهم ، ولا وجود لهم . وإنما وجودهم من حيث أوجدوا لا من حيث وجدوا . وفرق بين الموجود وبين الموجد . وليس في الوجود إلا موجود واحد ، وموجد . فالموجود حق ، والموجد باطل من حيث هو هو . والموجود قائم وقيوم ، والموجد هالك وفان . وإذا كان * ( كُلُّ من عَلَيْها فانٍ ) * « 1 » فلا يبقى إلا وجه ربك ذو الجلال والإكرام . الفريق الثاني : ليس بهم عمى ، ولكن بهم عور . لأنهم يبصرون بإحدى العينين وجود الموجود الحق ، فلا ينكرونه . والعين الأخرى إن تم عماها لم يبصر بها فناء غير الموجود الحق . فأثبت موجودا آخر مع الله تعالى . وهذا مشرك تحقيقا ، كما أن الذي قبله جاحد تحقيقا . فإن جاوز حد العمى إلى العمش ، أدرك تفاوتا بين الموجودين ، فأثبت عبدا وربا . فبهذا القدر من إثبات التفاوت والنقص من الموجود الآخر داخل في حد التوحيد . ثم إن كحل بصره بما يزيد في أنواره فيقل عمشه . وبقدر ما يزيد في بصره يظهر له نقصان ما أثبته سوى الله تعالى . فإن بقي في سلوكه كذلك فلا يزال يفضي به النقصان إلى المحو ، فينمحى عن رؤية ما سوى الله ، فلا يرى إلا الله . فيكون قد بلغ كماله التوحيد . وحيث أدرك نقصا في وجود ما سوى الله تعالى دخل في أوائل التوحيد .
وبينهما درجات لا تحصى . فبهذا تتفاوت درجات الموحدين . وكتب الله المنزلة على ألسنة رسله هي الكحل الذي به يحصل أنوار الأبصار . والأنبياء هم الكحالون . وقد جاؤوا داعين إلى التوحيد المحض ، وترجمته قول لا إله إلا الله . ومعناه أن لا يرى إلا الواحد الحق .
والواصلون إلى كمال التوحيد هم الأقلون . والجاحدون والمشركون أيضا قليلون . وهم على الطرف الأقصى المقابل لطرف التوحيد . إذ عبدة الأوثان - قالوا * ( ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفى ) * « 2 » فكانوا داخلين في أوائل أبواب التوحيد دخولا ضعيفا . والمتوسطون
هامش
« 1 » الرحمن : 36
« 2 » الزمر : 3