يديه ركعا سجدا . فشكرنا إياه بما لاحظ له فيه ، يضاهي شكرنا الملك المنعم علينا بأن ننام في بيوتنا ، أو نسجد أو نركع ، إذ لاحظ للملك فيه وهو غائب لا علم له ، ولاحظ لله تعالى في أفعالنا كلها . الوجه الثاني : أن كل ما نتعاطاه باختيارنا فهو نعمة أخرى من نعم الله علينا . إذ جوارحنا ، وقدرتنا ، وإرادتنا ، وداعيتنا ، وسائر الأمور التي هي أسباب حركتنا من خلق الله تعالى ونعمته . فكيف نشكر نعمة بنعمة ! ولو أعطانا الملك مركوبا ، فأخذنا مركوبا آخر له وركبناه ، أو أعطانا الملك مركوبا آخر ، لم يكن الثاني شكرا للأول منا ، بل كان الثاني يحتاج إلى شكر كما يحتاج الأول . ثم لا يمكن شكر الشكر إلا بنعمة أخرى فيؤدى إلى أن يكون الشكر محالا في حق الله تعالى من هذين الوجهين . ولسنا نشك في الأمرين جميعا . والشرع قد ورد به . فكيف السبيل إلى الجمع ؟ فاعلم أن هذا الخاطر قد خطر لداود عليه السّلام ، وكذلك لموسى عليه السّلام ، فقال : يا رب كيف أشكرك ؟ وأنا لا أستطيع أن أشكرك إلا بنعمة ثانية من نعمك ؟ وفي لفظ آخر . وشكرى لك نعمة أخرى منك توجب علي الشكر لك . فأوحى الله تعالى إليه إذا عرفت هذا فقد شكرتني . وفي خبر آخر : إذا عرفت أن النعمة منى رضيت منك بذلك شكرا . فإن قلت : فقد فهمت السؤال ، وفهمى قاصر عن إدراك معنى ما أوحي إليهم ، فإني أعلم استحالة الشكر الله تعالى . فأما كون العلم باستحالة الشكر شكرا فلا أفهمه . فإن هذا العلم أيضا نعمة منه .
فكيف صار شكرا ؟ وكأن الحاصل يرجع إلى أن من لم يشكر فقد شكر . وأن قبول الخلعة الثانية من الملك شكرا للخلعة الأولى . والفهم قاصر عن درك السر فيه . فإن أمكن تعريف ذلك بمثال فهو مهم في نفسه . فاعلم : أن هذا قرع باب من المعارف ، وهي أعلى من علوم المعاملة . ولكنا نشير منها إلى ملامح ونقول . هاهنا نظران : نظر بعين التوحيد المحض ، وهذا النظر يعرفك قطعا أنه الشاكر ، وأنه المشكور ، وأنه المحب ، وأنه المحبوب وهذا نظر من عرف أنه ليس في الوجود غيره ، وأن كل شيء هالك إلا وجهه ، وأن ذلك صدق في كل حال أزلا وأبدا . لأن الغير هو الذي يتصور أن يكون له بنفسه قوام . ومثل هذا الغير لا وجود له ، بل هو محال أن يوجد . إذ الموجود المحقق هو القائم بنفسه . وما ليس له بنفسه قوام فليس له بنفسه وجود . بل هو قائم بغيره ، فهو موجود بغيره . فإن
إحياء علوم الدين — صفحة 74
مساهمون: الغزالي
ص٧٤