تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
المحيطة بمجموع حقيقته . فأما قول من قال . إن الشكر هو الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع فهو نظر إلى فعل اللسان مع بعض أحوال القلب . وقول من قال . إن الشكر هو الثناء على المحسن بذكر إحسانه ، نظر إلى مجرد عمل اللسان . وقول القائل : إن الشكر هو الاعتكاف على بساط الشهود بإدامة حفظ الحرمة ، جامع لأكثر معاني الشكر ، لا يشذ منه إلا عمل اللسان . وقول حمدون القصار : شكر النعمة أن ترى نفسك في الشكر طفيليا إشارة إلى أن المعرفة من معاني الشكر فقط . وقول الجنيدي . الشكر أن لا ترى نفسك أهلا للنعمة ، إشارة إلى حال من أحوال القلب على الخصوص . وهؤلاء أقوالهم تعرب على أحوالهم . فلذلك تختلف أجوبتهم ولا تتفق . ثم قد يختلف جواب كل واحد في حالتين لأنهم لا يتكلمون إلا عن حالتهم الراهنة الغالبة عليهم ، اشتغالا بما يهمهم عما لا يهمهم . أو يتكلمون بما يرونه لائقا بحال السائل ، اقتصارا على ذكر القدر الذي يحتاج إليه ، وإعراضا عما لا يحتاج إليه . فلا ينبغي أن تظن أن ما ذكرناه طعن عليهم ، وأنه لو عرض عليهم جميع المعاني التي شرحناها كانوا ينكرونها . بل لا يظن ذلك بعاقل أصلا ، إلا أن تعرض منازعة من حيث اللفظ ، في أن اسم الشكر في وضع اللسان هل يشمل جميع المعاني ، أم يتناول بعضها مقصودا ، وبقية المعاني تكون من توابعه ولوازمه . ولسنا نقصد في هذا الكتاب شرح موضوعات اللغات ، فليس ذلك من علم طريق الآخرة في شيء ، والله الموفق برحمته

بيان طريق كشف الغطاء عن الشكر في حق الله تعالى

لعلك يخطر ببالك أن الشكر إنما يعقل في حق منعم هو صاحب حظ في الشكر . فإنا نشكر الملوك إما بالثناء ليزيد محلهم في القلوب ، ويظهر كرمهم عند الناس ، فيزيد به صيتهم وجاههم أو بالخدمة التي هي إعانة لهم على بعض أغراضهم . أو بالمثول بين أيديهم في صورة الخدم ، وذلك تكثير سوادهم ، وسبب لزيادة جاههم فلا يكونون شاكرين لهم إلا بشيء من ذلك وهذا محال في حق الله تعالى من وجهين . أحدهما : أن الله تعالى منزه عن الحظوظ والأغراض ، مقدس عن الحاجة إلى الخدمة والإعانة ، وعن نشر الجاه والحشمة بالثناء والإطراء ، وعن تكثير سواد الخدم بالمثول بين
إحياء علوم الدين — صفحة 73 | الغزالي