تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
طاعته ، والتوقي من الاستعانة بها على معصيته . حتى أن شكر العينين أن تستر كل عيب تراه لمسلم . وشكر الأذنين أن تستر كل عيب تسمعه فيه . فيدخل هذا في جملة شكر نعم الله تعالى بهذه الأعضاء . والشكر باللسان لإظهار الرضا عن الله تعالى ، وهو مأمور به . فقد قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] لرجل « كيف أصبحت ؟ » قال بخير فأعاد صلَّى الله عليه وسلم السؤال حتى قال في الثالثة : بخير أحمد الله وأشكره . فقال صلَّى الله عليه وسلم « هذا الَّذي أردت منك » وكان السلف يتساءلون ونيتهم استخراج الشكر لله تعالى ، ليكون الشاكر مطيعا والمستنطق له به مطيعا . وما كان قصدهم الرياء بإظهار الشوق . وكل عبد سئل عن حال فهو بين أن يشكر ، أو يشكو ، أو يسكت . فالشكر طاعة . والشكوى معصية قبيحة من أهل الدين . وكيف لا تقبح الشكوى من ملك الملوك ، وبيده كل شيء ، إلى عبد مملوك لا يقدر على شيء ! فالأحرى بالعبد إن لم يحسن الصبر على البلاء والقضاء ، وأفضى به الضعف إلى الشكوى ، أن تكون شكواه إلى الله تعالى . فهو المبلى والقادر على إزالة البلاء . وذل العبد لمولاه عز . والشكوى إلى غيره ذل . وإظهار الذل للعبد مع كونه عبدا مثله ذل قبيح . قال الله تعالى * ( إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ من دُونِ الله لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ الله الرِّزْقَ واعْبُدُوه ُ واشْكُرُوا لَه ُ ) * « 1 » وقال تعالى * ( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ من دُونِ الله عِبادٌ أَمْثالُكُمْ ) * « 2 » فالشكر باللسان من جملة الشكر . وقد روي أن وفدا قدموا على عمر بن عبد العزيز رحمه الله فقام شاب ليتكلم ، فقال عمر . الكبر الكبر . فقال يا أمير المؤمنين ، لو كان الأمر بالسن لكان في المسلمين من هو أسن منك . فقال تكلم . فقال . لسنا وفد الرغبة ، ولا وفد الرهبة . أما الرغبة ، فقد أوصلها إلينا فضلك . وأما الرهبة فقد آمننا منها عدلك . وإنما نحن وفد الشكر ، جئناك نشكرك باللسان وننصرف . فهذه هي أصول معاني الشكر ،
شرح
[ 1 ] حديث قال صلَّى الله عليه وسلم لرجل كيف أصبحت فقال بخير فأعاد السؤال حتى قال في الثالثة بخير أحمد الله وأشكره فقال هذا الذي أردت منك : الطبراني في الدعاء من رواية الفضيل بن عمرو مرفوعا نحوه قال في الثالثة أحمد الله وهذا معضل ورواه في المعجم الكبير من حديث عبد الله بن عمرو ليس فيه تكرار السؤال وقال أحمد الله إليك وفيه راشد بن سعد ضعفه الجمهور لسوء حفظه ورواه مالك في الموطأ موقوفا على عمر بإسناد صحيح
هامش
« 1 » العنكبوت : 17 « 2 » الأعراف : 194
إحياء علوم الدين — صفحة 72 | الغزالي