الأسباب . كما يهرب من غلبته الشهوة من مشاهدة الصور المحركة ومن لم يفعل هذا فقد كفر نعمة الله في سعة الأرض ، إذ قال تعالى . * ( أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ) * « 1 » الثاني : أن يكلف نفسه في أعماله أفعالا تخالف ما اعتاده . فيبدل التكلف بالتبذل ، وزي الحشمة بزى التواضع . وكذلك كل هيئة ، وحال ، وفعل ، في مسكن ، وملبس ، ومطعم ، وقيام ، وقعود كان يعتاده ، وفاء بمقتضى جاهه ، فينبغي أن يبدلها بنقائضها ، حتى يرسخ باعتياد ذلك ضد ما رسخ فيه من قبل باعتياد ضده . فلا معنى للمعالجة إلا المضادة الثالث : أن يراعي في ذلك التلطف والتدريج ، فلا ينتقل دفعة واحدة إلى الطرف الأقصى من التبذل ، فإن الطبع نفور ، ولا يمكن نقله عن أخلاقه إلا بالتدريج . فيترك البعض ويسلى نفسه بالبعض . ثم إذا قنعت نفسه بذلك البعض ابتدأ بترك البعض من ذلك البعض إلى أن يقنع بالبقية ، وهكذا يفعل شيئا فشيئا ، إلى أن يقمع تلك الصفات التي رسخت فيه . وإلى هذا التدريج الإشارة بقوله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّ هذا الدّين متين فأوغل فيه برفق ولا تبغّض إلى نفسك عبادة الله فإنّ المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى » وإليه الإشارة بقوله عليه السّلام [ 2 ] « لا تشادّوا هذا الدّين فإنّ من يشادّه يغلبه » فإذا ما ذكرناه من علاج الصبر عن الوسواس ، وعن الشهوة ، وعن الجاه ، أضفه إلى ما ذكرناه من قوانين طرق المجاهدة في كتاب رياضة النفس من ربع المهلكات ، فاتخذه دستورك لتعرف به علاج الصبر في جميع الأقسام التي فصلناها من قبل . فإن تفصيل الآحاد يطول . ومن راعى التدريج ترقى به الصبر إلى حال يشق عليه الصبر دونه ، كما كان يشق عليه الصبر معه ، فتنعكس أموره ، فيصير ما كان محبوبا عنده ممقوتا ، وما كان مكروها عنده مشربا هنيئا لا يصبر عنه . وهذا لا يعرف إلا بالتجربة والذوق . وله نظير في العادات فإن الصبي يحمل على التعلم في الابتداء قهرا ، فيشق عليه الصبر عن اللعب ، والصبر مع العلم حتى إذا انفتحت بصيرته وأنس بالعلم ، انقلب الأمر ، فصار يشق عليه الصبر عن العلم ،
شرح
[ 1 ] حديث ان هذا الدين متين فأوغل فيه برفق - الحديث : أحمد من حديث أنس والبيهقي من حديث جابر وتقدم في الأوراد
[ 2 ] حديث لا تشادوا هذا الدين فإنه من شاده يغلبه : تقدم فيه
هامش
« 1 » النساء : 97