وليس مذموما على طلب ذلك . بل حق كل عبد أن يطلب ملكا عظيما لا آخر له . وطالب الملك طالب للعلوّ ، والعز ، والكمال لا محالة . ولكن الملك ملكان ملك مشوب بأنواع الآلام ، وملحوق بسرعة الانصرام ، ولكنه عاجل ، وهو في الدنيا ، وملك مخلد دائم ، لا يشوبه كدر ولا ألم ، ولا يقطعه قاطع ، ولكنه آجل . وقد خلق الإنسان عجولا راغبا في العاجلة . فجاء الشيطان وتوسل إليه بواسطة العجلة التي في طبعه ، فاستغواه بالعاجلة ، وزيّن له الحاضرة ، وتوسل إليه بواسطة الحمق ، فوعده بالغرور في الآخرة ، ومنّاه مع ملك الدنيا ملك الآخرة ، كما قال صلَّى الله عليه وسلم « والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأمانىّ » فانخدع المخذول بغروره واشتغل بطلب عز الدنيا وملكها على قدر إمكانه ولم يتدل الموفق بحبل غروره ، إذ علم مداخل مكره ، فأعرض عن العاجلة . فعبّر عن المخذولين بقوله تعالى * ( كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وتَذَرُونَ الآخِرَةَ ) * « 1 » وقال تعالى * ( إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ ويَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا ) * « 2 » وقال تعالى * ( فَأَعْرِضْ عَنْ من تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا ولَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ من الْعِلْمِ ) * « 3 » ولما استطار مكر الشيطان في كافة الخلق ، أرسل الله الملائكة إلى الرسل ، وأوحوا إليهم ما تم على الخلق من إهلاك العدوّ وإغوائه فاشتغلوا بدعوة الخلق إلى الملك الحقيقي عن الملك المجازي ، الذي لا أصل له إن سلم ، ولا دوام له أصلا ، فنادوا فيهم * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ الله اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا من الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ) * « 4 » فالتوراة ، والإنجيل ، والزبور ، والفرقان ، وصحف موسى وإبراهيم ، وكل كتاب منزل ، ما أنزل إلا لدعوة الخلق إلى الملك الدائم المخلد . والمراد منهم أن يكونوا ملوكا في الدنيا ، ملوكا في الآخرة . أما ملك الدنيا فالزهد فيها ، والقناعة باليسير منها . وأما ملك الآخرة فبالقرب من الله تعالى يدرك بقاء لافناء فيه ، وعزا لا ذل فيه ، وقرة عين أخفيت في هذا العالم ، لا تعلمها نفس من النفوس والشيطان يدعوهم إلى ملك الدنيا ، لعلمه بأن ملك الآخرة يفوت به . إذ الدنيا والآخرة ضرتان . ولعلمه بأن الدنيا لا تسلم له أيضا .
هامش
« 1 » القيامة : 20
« 2 » الدهر : 27
« 3 » النجم : 29 ، 30
« 4 » التوبة