وتساعد القلوب ، كما في يوم عرفة . ويوم الجمعة ، وأيام رمضان . فإن الهمم والأنفاس أسباب بحكم تقدير الله تعالى لاستدرار رحمته ، حتى تستدر بها الأمطار في أوقات الاستسقاء وهي لاستدرار أمطار المكاشفات ولطائف المعارف من خزائن الملكوت ، أشد مناسبة منها لاستدرار قطرات الماء ، واستجرار الغيوم من أقطار الجبال والبحار . بل الأحوال والمكاشفات حاضرة معك في قلبك ، وإنما أنت مشغول عنها بعلائقك وشهواتك فصار ذلك حجابا بينك وبينها ، فلا تحتاج إلا إلى أن تنكسر الشهوة ويرفع الحجاب ، فتشرق أنوار المعارف من باطن القلب . وإظهار ماء الأرض بحفر القني أسهل وأقرب من استرسال الماء إليها من مكان بعيد منخفض عنها . ولكونه حاضرا في القلب ، ومنسيا بالشغل عنه ، سمى الله تعالى جميع معارف الإيمان تذكرا فقال تعالى * ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَه ُ لَحافِظُونَ ) * « 1 » وقال تعالى * ( ولِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبابِ ) * « 2 » وقال تعالى * ( ولَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ من مُدَّكِرٍ ) * « 3 » فهذا هو علاج الصبر عن الوساوس والشواغل ، وهو آخر درجات الصبر . وإنما الصبر عن العلائق كلها مقدم على الصبر عن الخواطر . قال الجنيد رحمه الله . السير من الدنيا إلى الآخرة سهل على المؤمن ، وهجران الخلق في حب الحق شديد . والسير من النفس إلى الله تعالى صعب شديد ، والصبر مع الله أشد . فذكر شدة الصبر عن شواغل القلب ، ثم شدة هجران الخلق . وأشد العلائق على النفس علاقة الخلق وحب الجاه ، فإن لذة الرئاسة ، والغلبة ، والاستعلاء ، والاستتباع ، أغلب اللذات في الدنيا على نفوس العقلاء . وكيف لا تكون أغلب اللذات ومطلوبها صفة من صفات الله تعالى وهي الربوبية ، والربوبية محبوبة ومطلوبة بالطبع للقلب ، لما فيه من المناسبة لأمور الربوبية . وعنه العبارة بقوله تعالى * ( قُلِ الرُّوحُ من أَمْرِ رَبِّي ) * « 4 » وليس القلب مذموما على حبه ذلك ، وإنما هو مذموم على غلط وقع له بسبب تغرير الشيطان اللعين ، المبعد عن عالم الأمر ، إذ حسده على كونه من عالم الأمر ، فأضله وأغواه . وكيف يكون مذموما عليه وهو يطلب سعادة الآخرة ! فليس يطلب إلَّا بقاء لا فناء فيه ، وعزا لا ذلّ فيه وأمنا لا خوف فيه ، وغنى لا فقر فيه ، وكمالا لا نقصان فيه . وهذه كلها من أوصاف الربوبية
هامش
« 1 » الحجر : 9
« 2 » إبراهيم : 52
« 3 » القمر : 17
« 4 » الاسراء : 85