[ 1 ] « النّظرة سهم مسموم من سهام إبليس » وهو سهم يسدده الملعون ولا ترس يمنع منه إلَّا تغميض الأجفان ، أو الهرب من صوب رميه . فإنه إنما يرمى هذا السهم عن قوس الصور . فإذا انقلبت عن صوب الصور لم يصبك سهمه الثالث : تسلية النفس بالمباح من الجنس الذي تشتهيه . وذلك بالنكاح . فإن كل ما يشتهيه الطبع ففي المباحات من جنسه ما يغنى عن المحظورات منه . وهذا هو العلاج الأنفع في حق الأكثر . فإن قطع الغذاء يضعف عن سائر الأعمال ، ثم قد لا يقمع الشهوة في حق أكثر الرجال . ولذلك قال صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] « عليكم بالباءة فمن لم يستطع فعليه بالصّوم فإنّ الصّوم له وجاء » ، فهذه ثلاثة أسباب . فالعلاج الأول وهو قطع الطعام يضاهي قطع العلف عن البهيمة الجموح ، وعن الكلب الضاري ، ليضعف فتسقط قوته . والثاني يضاهي تغييب اللحم عن الكلب ، وتغييب الشعير عن البهيمة ، حتى لا تتحرك بواطنها بسبب مشاهدتها . والثالث : يضاهي تسليتها بشيء قليل مما يميل إليه طبعها ، حتى يبقى معها من القوة ما تصبر به على التأديب .
وأما تقوية باعث الدين ، فإنما تكون بطريقين :
أحدهما : إطعامه في فوائد المجاهدة وثمراتها في الدين والدنيا ، وذلك بأن يكثر فكره في الأخبار التي أوردناها في فضل الصبر ، وفي حسن عواقبه في الدنيا والآخرة وفي الأثر أن ثواب الصبر على المصيبة أكثر مما فات ، وأنه بسبب ذلك مغبوط بالمصيبة ، إذ فاته ما لا يبقى معه إلا مدة الحياة ، وحصل له ما يبقى بعد موته أبد الدهر . ومن أسلم خسيسا في نفيس ، فلا ينبغي أن يحزن لفوات الخسيس في الحال . وهذا من باب المعارف ، وهو من الإيمان . فتارة يضعف ، وتارة يقوى . فإن قوي قوي باعث الدين ، وهيجه تهييجا شديدا . وإن ضعف ضعّفه . وإنما قوة الإيمان يعبر عنها باليقين ، وهو المحرك لعزيمة الصبر . وأقل ما أوتي الناس اليقين وعزيمة الصبر والثاني : أن يعود هذا الباعث مصارعة باعث الهوى تدريجا ، قليلا قليلا ، حتى يدرك لذة الظفر بها ، فيستجرئ عليها ، وتقوى منّته في مصارعتها . فإن الاعتياد والممارسة للأعمال
شرح
[ 1 ] حديث النظرة سهم مسموم من سهام إبليس : تقدم غير مرة
[ 2 ] حديث عليكم بالباءة فمن لم يستطع فعليه بالصوم - الحديث : تقدم في النكاح