* ( وما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَه ُ الدِّينَ ) * « 1 » ولهذا قدم الله تعالى الصبر على العمل فقال تعالى * ( إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) * « 2 » الحالة الثانية : حالة العمل ، كي لا يغفل عن الله في أثناء عمله ، ولا يتكاسل عن تحقيق آدابه وسننه ، ويدوم على شرط الأدب إلى آخر العمل الأخير . فيلازم الصبر عن دواعي الفتور إلى الفراغ . وهذا أيضا من شدائد الصبر . ولعله المراد بقوله تعالى * ( نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا ) * « 3 » أي صبروا إلى تمام العمل الحالة الثالثة : بعد الفراغ من العمل ، إذ يحتاج إلى الصبر عن إفشائه والتظاهر به للسمعة والرياء . والصبر عن النظر إليه بعين العجب ، وعن كل ما يبطل عمله ويحبط أثره .
كما قال تعالى * ( ولا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ ) * « 4 » وكما قال تعالى * ( لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ والأَذى ) * « 5 » فمن لم يصبر بعد الصدقة عن المنّ والأذى فقد أبطل عمله .
والطاعات تنقسم إلى فرض ونفل . وهو محتاج إلى الصبر عليهما جميعا وقد جمعها الله تعالى في قوله * ( إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإِحْسانِ وإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى ) * « 6 » فالعدل هو الفرض ، والإحسان هو النفل ، وإيتاء ذي القربى هو المروءة وصلة الرحم . وكل ذلك يحتاج إلى صبر
الضرب الثاني المعاصي ، فما أحوج العبد إلى الصبر عنها . وقد جمع الله تعالى أنواع المعاصي في قوله تعالى * ( ويَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ والْمُنْكَرِ والْبَغْيِ ) * « 7 » وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « المهاجر من هجر السّوء والمجاهد من جاهد هواه » والمعاصي مقتضى باعث الهوى وأشد أنواع الصبر عن المعاصي الصبر عن المعاصي التي صارت مألوفة بالعادة . فإن العادة طبيعة خامسة . فإذا انضافت العادة إلى الشهوة تظاهر جندان من جنود الشيطان على جند الله تعالى ، فلا يقوى باعث الدين على قمعها . ثم إن كان ذلك الفعل مما يتيسر فعله ، كان الصبر عنه أثقل على النفس . كالصبر عن معاصي اللسان من الغيبة ، والكذب ، والمراء ، والثناء على النفس تعريضا وتصريحا ، وأنواع المزح المؤذي للقلوب ، وضروب الكلمات التي
شرح
[ 1 ] حديث المهاجر من هجر السوء والمجاهد من جاهد هواه : ابن ماجة بالشطر الأول والنسائي في الكبرى بالشطر الثاني كلاهما من حديث فضالة بن عبيد باسنادين جيدين وقد تقدما
هامش
« 1 » البينة : 5
« 2 » هود : 11
« 3 » العنكبوت : 58 ، 59
« 4 » محمد : 33
« 5 » البقرة : 264
« 6 » النحل : 90
« 7 » النحل : 90