تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
الهداية أيضا يختلف في الخلق اختلافا لا ينحصر . فلنسم هذه الصفة التي بها فارق الإنسان البهائم في قمع الشهوات وقهرها باعثا دينيا . ولنسم مطالبة الشهوات بمقتضياتها باعث الهوى وليفهم أن القتال قائم بين باعث الدين وباعث الهوى ، والحرب بينهما سجال ، ومعركة هذا القتال قلب العبد ، ومدد باعث الدين من الملائكة الناصرين لحزب الله تعالى ، ومدد باعث الشهوة من الشياطين الناصرين لأعداء الله تعالى . فالصبر عبارة عن ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الشهوة . فإن ثبت حتى قهره واستمر على مخالفة الشهوة ، فقد نصر حزب الله ، والتحق بالصابرين . وإن تخاذل وضعف حتى غلبته الشهوة ولم يصبر في دفعها ، التحق باتباع الشياطين . فإذا ترك الأفعال المشتهاة عمل يثمره حال يسمى الصبر . وهو ثبات باعث الدين الذي هو في مقابلة باعث الشهوة . وثبات باعث الدين حال تثمرها المعرفة بعداوة الشهوات ، ومضادتها لأسباب السعادات في الدنيا والآخرة . فإذا قوى يقينه ، أعنى المعرفة التي تسمى إيمانا ، وهو اليقين بكون الشهوة عدوا قاطعا لطريق الله تعالى ، قوى ثبات باعث الدين . وإذا قوى ثباته ، تمت الأفعال على خلاف ما تتقاضاه الشهوة . فلا يتم ترك الشهوة إلا بقوة باعث الدين المضاد لباعث الشهوة . وقوة المعرفة والإيمان تقبح مغبة الشهوات وسوء عاقبتها . وهذان الملكان هما المتكفلان بهذين الجندين بإذن الله تعالى وتسخيره إياهما . وهما من الكرام الكاتبين . وهما الملكان الموكلان بكل شخص من الآدميين . وإذا عرفت أن رتبة الملك الهادي أعلى من رتبة الملك المقوى ، لم يخف عليك أن جانب اليمين الذي هو أشرف الجانبين من جنبتي الدست ، ينبغي أن يكون مسلما له ، فهو إذا صاحب اليمين ، والآخر صاحب الشمال . وللعبد طوران في الغفلة والفكر ، وفي الاسترسال والمجاهدة . فهو بالغفلة معرض عن صاحب اليمين ومسيء إليه ، فيكتب إعراضه سيئة ، وبالفكر مقبل عليه ليستفيد منه الهداية فهو به محسن ، فيكتب إقباله له حسنة . وكذا بالاسترسال هو معرض عن صاحب اليسار تارك للاستمداد . فهو به مسيء إليه ، فيثبت عليه سيئة . وبالمجاهدة مستمد من جنوده ، فيثبت له به حسنة . وإنما ثبتت هذه الحسنات والسيئات بإثباتهما . فلذلك سميا كراما كاتبين . أما الكرام ، فلانتفاع العبد بكرمهما ، ولأن الملائكة كلهم كرام بررة . وأما الكاتبون ، فلإثباتهما الحسنات