تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
فالصبر على التحقيق عبارة عنها . والعمل هو كالثمرة يصدر عنها . ولا يعرف هذا إلا بمعرفة كيفية الترتيب بين الملائكة ، والإنس ، والبهائم ، فإن الصبر خاصية الإنس . ولا يتصور ذلك في البهائم والملائكة . أما في البهائم فلنقصانها ، وأما في الملائكة فلكمالها وبيانه أن البهائم سلطت عليها الشهوات ، وصارت مسخرة لها ، فلا باعث لها على الحركة والسكون إلا الشهوة ، وليس فيها قوة تصادم الشهوة وتردها عن مقتضاها ، حتى يسمى ثبات تلك القوة في مقابلة مقتضى الشهوة صبرا . وأما الملائكة عليهم السلام . فإنهم جردوا للشوق إلى حضرة الربوبية ، والابتهاج بدرجة القرب منها ، ولم تسلط عليهم شهوة صارفة صادة عنها حتى تحتاج إلى مصادمة ما يصرفها عن حضرة الجلال بجند آخر يغلب الصوارف وأما الإنسان فإنه خلق في ابتداء الصبا ناقصا مثل البهيمة ، لم يخلق فيه إلا شهوة الغذاء الذي هو محتاج إليه ، ثم تظهر فيه شهوة اللعب والزينة ، ثم شهوة النكاح على الترتيب وليس له قوة الصبر البتة ، إذ الصبر عبارة عن ثبات جند في مقابلة جند آخر قام القتال بينهما ، لتضاد مقتضياتهما ومطالبهما . وليس في الصبي إلا جند الهوى كما في البهائم . ولكن الله تعالى بفضله وسعة جوده ، أكرم بني آدم ، ورفع درجتهم عن درجة البهائم ، فوكل به عند كمال شخصه بمقاربة البلوغ ملكين ، أحدهما يهديه ، والآخر يقويه . فتميز بمعونة الملكين عن البهائم ، واختص بصفتين إحداهما معرفة الله تعالى ، ومعرفة رسوله ، ومعرفة المصالح المتعلقة بالعواقب . وكل ذلك حاصل من الملك الذي إليه الهداية والتعريف . فالبهيمة لا معرفة لها ، ولا هداية إلى مصلحة العواقب ، بل إلى مقتضى شهواتها في الحال فقط . فلذلك لا تطلب إلا اللذيذ . وأما الدواء النافع مع كونه مضرا في الحال ، فلا تطلبه ولا تعرفه فصار الإنسان بنور الهداية يعرف أن اتباع الشهوات له مغبات مكروهة في العاقبة ، ولكن لم تكن هذه الهداية كافية ما لم تكن له قدرة على ترك ما هو مضر ، فكم من مضر يعرفه الإنسان كالمرض النازل به مثلا ، ولكن لا قدرة له على دفعه . فافتقر إلى قدرة وقوة يدفع بها في نحر الشهوات ، فيجاهدها بتلك القوة حتى يقطع عداوتها عن نفسه . فوكل الله تعالى به ملكا آخر يسدده ، ويؤيده ويقويه بجنود لم تروها . وأمر هذا الجند بقتال جند الشهوة . فتارة يضعف هذا الجند وتارة يقوى . وذلك بحسب إمداد الله تعالى عبده بالتأييد . كما أن نور