في القسم الأخير الذي ذكرناه . وهو لم يرد سواه . ويقال كان أبو العباس بن عطاء قد خالفه في ذلك وقال : الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر . فدعا عليه الجنيد ، فأصابه ما أصابه من البلاء من قتل أولاده ، وإتلاف أمواله ، وزوال عقله أربع عشرة سنة . فكان يقول دعوة الجنيد أصابتنى . ورجع إلى تفضيل الفقير الصابر على الغني الشاكر .
ومهما لاحظت المعاني التي ذكرناها ، علمت أن لكل واحد من القولين وجها في بعض الأحوال . فرب فقير صابر أفضل من غني شاكر كما سبق ، ورب غني شاكر أفضل من فقير صابر . وذلك هو الغني الذي يرى نفسه مثل الفقير ، إذ لا يمسك لنفسه من المال إلا قدر الضرورة ، والباقي يصرفه إلى الخيرات ، أو يمسكه على اعتقاد أنه خازن للمحتاجين والمساكين ، وإنما ينتظر حاجة تسنح حتى يصرف إليها . ثم إذا صرف لم يصرفه لطلب جاه وصيت ، ولا لتقليد منة ، بل أداء لحق الله تعالى في تفقد عباده ، فهذا أفضل من الفقير الصابر فإن قلت : فهذا لا يثقل على النفس ، والفقير يثقل عليه الفقر ، لأن هذا يستشعر لذة القدرة وذاك يستشعر ألم الصبر . فإن كان متألما بفراق المال فينجبر ذلك بلذته في القدرة على الإنفاق فاعلم أن الذي نراه أن من ينفق ماله عن رغبة وطيب نفس ، أكمل حالا ممن ينفقه وهو بخيل به ، وإنما يقتطعه عن نفسه قهرا . وقد ذكرنا تفصيل هذا فيما سبق من كتاب التوبة فإيلام النفس ليس مطلوبا لعينه ، بل لتأديبها . وذلك يضاهي ضرب كلب الصيد . والكلب المتأدب أكمل من الكلب المحتاج إلى الضرب ، وإن كان صابرا على الضرب ، ولذلك يحتاج إلى الإيلام والمجاهدة في البداية ، ولا يحتاج إليهما في النهاية . بل النهاية أن يصير ما كان مؤلما في حقه لذيذا عنده ، كما يصير التعلم عند الصبي العاقل لذيذا . وقد كان مؤلما له أولا ولكن لما كان الناس كلهم إلا الأقلين في البداية ، بل قبل البداية بكثير ، كالصبيان ، أطلق الجنيد القول بأن الذي يؤلم صفته أفضل . وهو كما قال صحيح فيما أراده من عموم الخلق ، فإذا إذا كنت لا تفصل الجواب وتطلقه لإرادة الأكثر ، فأطلق القول بأن الصبر أفضل من الشكر ، فإنه صحيح بالمعنى السابق إلى الأفهام . فإذا أردت التحقيق ففصل ، فإن للصبر درجات أقلها ترك الشكوى مع الكراهية ، ووراءها الرضا ، وهو مقام وراء الصبر ،
إحياء علوم الدين — صفحة 168
مساهمون: الغزالي
ص١٦٨