ووراءه الشكر على البلاء وهو وراء الرضا ، إذ الصبر مع التألم والرضا يمكن بما لا ألم فيه ولا فرح ، والشكر لا يمكن إلا على محبوب مفروح به . وكذلك الشكر درجات كثيرة ، ذكرنا أقصاها ، ويدخل في جملتها أمور دونها ، فإن حياء العبد من تتابع نعم الله عليه شكر ، ومعرفته بتقصيره عن الشكر شكر ، والاعتذار من قلة الشكر شكر ، والمعرفة بعظيم حلم الله وكنف ستره شكر ، والاعتراف بأن النعم ابتداء من الله تعالى من غير استحقاق شكر والعلم بأن الشكر أيضا نعمة من نعم الله وموهبة منه شكر . وحسن التواضع للنعم والتذلل فيها شكر ، وشكر الوسائط شكر ، إذ قال عليه السّلام [ 1 ] « من لم يشكر النّاس لم يشكر الله » وقد ذكرنا حقيقة ذلك في كتاب أسرار الزكاة . وقلة الاعتراض وحسن الأدب بين يدي المنعم شكر ، وتلقى النعم بحسن القبول واستعظام صغيرها شكر . وما يندرج من الأعمال والأحوال تحت اسم الشكر والصبر لا تنحصر آحادها ، وهي درجات مختلفة ، فكيف يمكن إجمال القول بتفضيل أحدهما على الآخر ، إلا على سبيل إرادة الخصوص باللفظ العام ، كما ورد في الأخبار والآثار .
وقد روي عن بعضهم أنه قال : رأيت في بعض الأسفار شيخا كبيرا قد طعن في السن ، فسألته عن حاله فقال : إني كنت في ابتداء عمري أهوي ابنة عم لي ، وهي كذلك كانت تهوانى ، فاتفق أنها زوّجت منى ، فليلة زفافها . قلت تعالى حتى نحيى هذه الليلة شكرا لله تعالى على ما جمعنا ، فصلينا تلك الليلة ، ولم يتفرغ أحدنا إلى صاحبه ، فلما كانت الليلة الثانية قلنا مثل ذلك ، فصلينا طول الليل ، فمنذ سبعين أو ثمانين سنة نحن على تلك الحالة كل ليلة ، أليس كذلك يا فلانة ؟
قالت العجوز هو كما يقول الشيخ فانظر إليهما لو صبرا على بلاء الفرقة أن لو لم يجمع الله بينهما وأنسب صبر الفرقة إلى شكر الوصال على هذا الوجه ، فلا يخفى عليك أن هذا الشكر أفضل .
فإذا لا وقوف على حقائق المفضلات إلا بتفصيل كما سبق ، والله أعلم .
شرح
[ 1 ] حديث من لم يشكر الله : تقدم في الزكاة