وأنه لا تخلو ذرة من الخير عن أثر ، كما لا تخلو شعيرة تطرح في الميزان عن أثر ولو خلت الشعيرة الأولى عن أثر ، لكانت الثانية مثلها ، ولكان لا يرجح الميزان بأحمال الذرات . وذلك بالضرورة محال . بل ميزان الحسنات يرجح بذرات الخير إلى أن يثقل فترفع كفة السيئات . فإياك أن تستصغر ذرات الطاعات فلا تأتيها ، وذرات المعاصي فلا تنفيها كالمرأة الخرقاء ، تكسل عن الغزل تعللا بأنها لا تقدر في كل ساعة إلا على خيط واحد وتقول : أي غنى يحصل بخيط ؟ وما وقع ذلك في الثياب ؟ ولا تدري المعتوهة أن ثياب الدنيا اجتمعت خيطا خيطا ، وأن أجسام العالم مع اتساع أقطاره اجتمعت ذرة ذرة فإذا التضرع والاستغفار بالقلب حسنة لا تضيع عند الله أصلا . بل أقول الاستغفار باللسان أيضا حسنة . إذ حركة اللسان بها عن غفلة خير من حركة اللسان في تلك الساعة بغيبة مسلم ، أو فضول كلام . بل هو خير من السكوت عنه . فيظهر فضله بالإضافة إلى السكوت عنه . وإنما يكون نقصانا بالإضافة إلى عمل القلب . ولذلك قال بعضهم لشيخه أبي عثمان المغربي : إن لساني في بعض الأحوال يجرى بالذكر والقرءان وقلبي غافل ، فقال :
اشكر الله إذا استعمل جارحة من جوارحك في الخير ، وعوّده الذكر ، ولم يستعمله في الشر ولم يعوده الفضول . وما ذكره حق . فإن تعود الجوارح للخيرات حتى يصير لها ذلك كالطبع ، يدفع جملة من المعاصي . فمن تعود لسانه الاستغفار إذا سمع من غيره كذبا سبق لسانه إلى ما توعد فقال : استغفر الله . ومن تعود الفضول ، سبق لسانه إلى قول : ما أحمقك ، وما أقبح كذبك ! ومن تعود الاستعاذة إذا حدّث بظهور مبادئ الشر من شرير ، قال بحكم سبق اللسان . نعوذ باللَّه ، وإذا تعود الفضول قال : لعنه الله . فيعصى في إحدى الكلمتين ويسلم في الأخرى . وسلامته أثر اعتياد لسانه الخير وهو من جملة معاني قوله تعالى * ( إِنَّ الله لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) * « 1 » ومعاني قوله تعالى * ( وإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ من لَدُنْه ُ أَجْراً عَظِيماً ) * « 2 » فانظر كيف ضاعفها إذ جعل الاستغفار في الغفلة عادة اللسان حتى دفع بتلك العادة شر العصيان بالغيبة واللعن والفضول ، هذا تضعيف في الدنيا لأدنى الطاعات . وتضعيف الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون
هامش
« 1 » التوبة : 120
« 2 » النساء : 40