تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 11

مساهمون:

ص١١
لأن تدفع بها السيئة . وعلى هذا تحمل الأخبار الواردة في فضل الاستغفار . حتى قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « ما أصرّ من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرّة » وهو عبارة عن الاستغفار بالقلب . وللتوبة والاستغفار درجات . وأوائلها لا تخلو عن الفائدة وإن لم تنته إلى أواخرها . ولذلك قال سهل . لا بد للعبد في كل حال من مولاه . فأحسن أحواله أن يرجع إليه في كل شيء : فإن عصى قال يا رب استر علىّ . فإذا فرغ من المعصية قال يا رب تب علىّ . فإذا تاب قال يا رب ارزقني العصمة . وإذا عمل قال يا رب تقبل منى . وسئل أيضا عن الاستغفار الذي يكفر الذنوب فقال . أول الاستغفار الاستجابة ، ثم الإنابة ، ثم التوبة . فالاستجابة أعمال الجوارح ، والإنابة أعمال القلوب . والتوبة إقباله على مولاه ، بأن يترك الخلق ثم يستغفر الله من تقصيره الذي هو فيه ، ومن الجهل بالنعمة وترك الشكر . فعند ذلك يغفر له ، ويكون عنده مأواه ، ثم التنقل إلى الانفراد ، ثم الثبات ، ثم البيان ، ثم الفكر ثم المعرفة ، ثم المناجاة ، ثم المصافاة ، ثم الموالاة ثم محادثة السر ، وهو الخلة . ولا يستقر هذا في قلب عبد حتى يكون العلم غذاءه ، والذكر قوامه ، والرضا زاده ، والتوكل صاحبه . ثم ينظر الله إليه ، فيرفعه إلى العرش ، فيكون مقامه مقام حملة العرش وسئل أيضا عن قوله صلَّى الله عليه وسلم « التّائب حبيب الله » فقال . إنما يكون حبيبا إذا كان فيه جميع ما ذكر في قوله تعالى * ( التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ ) * « 1 » الآية - وقال الحبيب هو الذي لا يدخل فيما يكرهه حبيبه . والمقصود أن للتوبة ثمرتين . إحداهما تكفير السيئات ، حتى يصير كمن لا ذنب له . والثانية نيل الدرجات ، حتى يصير حبيبا . وللتكفير أيضا درجات : فبعضه محو لأصل الذنب بالكلية ، وبعضه تخفيف له . ويتفاوت ذلك بتفاوت درجات التوبة . فالاستغفار بالقلب ، والتدارك بالحسنات ، وإن خلا عن حل عقدة الإصرار من أوائل الدرجات : فليس يخلو عن الفائدة أصلا . فلا ينبغي أن تظن أن وجودها كعدمها . بل عرف أهل المشاهدة وأرباب القلوب معرفة لا ريب فيها ، أن قول الله تعالى * ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه ُ ) * « 2 » صدق
شرح
[ 1 ] حديث ما أصر من استغفر - الحديث : تقدم في الدعوات
هامش
« 1 » التوبة : 112 « 2 » الزلزال : 7
إحياء علوم الدين — صفحة 11 | الغزالي