وغضبه في معاصيه ، فلا تحقروا منها شيئا ، فلعل غضبه فيه . وخبأ ولايته في عباده ، فلا تحقروا منهم أحدا ، فلعله ولىّ الله تعالى . وزاد وخبأ إجابته في دعائه ، فلا تتركوا الدعاء ، فربما كانت الإجابة فيه
الركن الرابع في دواء التوبة ، وطريق العلاج لحل عقدة الإصرار
اعلم أن الناس قسمان :
شاب لا صبوة له ، نشأ على الخير واجتناب الشر ، وهو الذي قال فيه رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « تعجّب ربّك من شابّ ليست له صبوة » « 1 » وهذا عزيز نادر والقسم الثاني : هو الذي لا يخلو عن مقارفة الذنوب . ثم هم ينقسمون إلى مصرين وإلى تائبين . وغرضنا أن نبين العلاج في حل عقدة الإصرار ، ونذكر الدواء فيه .
فاعلم أن شفاء التوبة لا يحصل إلا بالدواء . ولا يقف على الدواء من لا يقف على الداء إذ لا معنى للدواء إلا مناقضة أسباب الداء فكل داء حصل من سبب فدواؤه حل ذلك السبب ، ورفعه ، وإبطاله . ولا يبطل الشيء إلا بضده : ولا سبب للإصرار إلا الغفلة والشهوة . ولا يضاد الغفلة إلا العلم ، ولا يضاد الشهوة إلا الصبر على قطع الأسباب المحركة للشهوة . والغفلة رأس الخطايا . قال تعالى * ( وأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ لا جَرَمَ أَنَّهُمْ في الآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ ) * « 2 » فلا دواء إذا للتوبة إلا معجون يعجن من حلاوة العلم ، ومرارة الصبر .
وكما يجمع السكنجبين بين حلاوة السكر وحموضة الخل ، ويقصد بكل منهما غرض آخر في العلاج بمجموعهما ، فيقمع الأسباب المهيجة للصفراء ، فهكذا ينبغي أن تفهم علاج القلب مما به من مرض الإصرار .
فإذا لهذا الدواء أصلان : أحدهما العلم ، والآخر الصبر . ولا بد من بيانهما فإن قلت أينفع كل علم لحل الإصرار أم لا بد من علم مخصوص ؟ . فاعلم أن العلوم
شرح
[ 1 ] حديث يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة : أحمد والطبراني من حديث عقبة بن عامر وفيه ابن لهيعة
هامش
« 1 » ليست له صبوة : اى ميل إلى هوى
« 2 » النحل : 108 ، 109