هيهات . إنما ذلك عند الطمع في مالهم . فأما أنت فغرضك أن تشفع للمسلمين ، وتدفع الضرر عنهم وتدفع شر أعدائك عن نفسك والله يعلم من باطنه أنه لو ظهر لبعض أقرانه قبول عند ذلك السلطان ، فصار يشفعه في كل مسلم ، حتى دفع الضرر عن جميع المسلمين ، ثقل ذلك عليه ولو قدر على أن يقبح حاله عند السلطان بالطعن فيه ، والكذب عليه لفعل وكذلك قد ينتهى غرور بعضهم إلى أن يأخذ من مالهم ، وإذا خطر له أنه حرام ، قال له الشيطان : هذا مال لا مالك له ، وهو لمصالح المسلمين ، وأنت إمام المسلمين وعالمهم وبك قوام الدين ، أفلا يحل لك أن تأخذ قدر حاجتك ؟ فيغتر بهذا التلبيس في ثلاثة أمور أحدها : في أنه مال لا مالك له ، فإنه يعرف أنه يأخذ الخراج من المسلمين وأهل السواد ، والذين أخذ منهم أحياء ، وأولادهم وورثتهم أحياء . وغاية الأمر وقوع الخلط في أموالهم . ومن غصب مائة دينار من عشرة أنفس وخلطها ، فلا خلاف في أنه مال حرام . ولا يقال هو مال لا مالك له ، ويجب أن يقسم بين العشرة ، ويرد إلى كل واحد عشرة ، وإن كان مال كل واحد قد اختلط بالآخر الثاني : في قوله . إنك من مصالح المسلمين ، وبك قوام الدين ، ولعل الذين فسد دينهم واستحلوا أموال السلاطين ، ورغبوا في طلب الدنيا ، والإقبال على الرئاسة ، والإعراض عن الآخرة بسببه ، أكثر من الذين زهدوا في الدنيا ورفضوها ، وأقبلوا على الله . فهو على التحقيق دجال الدين ، وقوام مذهب الشياطين لا إمام الدين إذ الإمام هو الذي يقتدى به في الإعراض عن الدنيا ، والإقبال على الله ، كالأنبياء عليهم السلام ، والصحابة ، وعلماء السلف . والدجال هو الذي يقتدى به في الإعراض عن الله ، والإقبال على الدنيا . فلعل موت هذا أنفع للمسلمين من حياته . وهو يزعم أنه قوام الدين . ومثله كما قال المسيح عليه السلام للعالم السوء . إنه كصخرة وقعت في فم الوادي ، فلا هي تشرب الماء ، ولا هي تترك الماء يخلص إلى الزرع . وأصناف غرور أهل العلم في هذه الأعصار المتأخرة خارجة عن الحصر ، وفيما ذكرناه تنبيه بالقليل ؟ ؟ ؟ على الكثير
وفرقة أخرى . أحكموا العلم ، وطهروا الجوارح ، وزينوها بالطاعات ، واجتنبوا ظواهر المعاصي ، وتفقدوا أخلاق النفس وصفات القلب ، من الرياء ، والحسد ، والحقد ،
إحياء علوم الدين — صفحة 100
مساهمون: الغزالي
ص١٠٠