تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
فكأنه ترك واحدا ليأخذ ألف ألف . بل ليأخذ ما لا نهاية له ولا حد . وإن نظر من حيث النوع ، رأى لذات الدنيا مكدرة مشوبة بأنواع المنغصات ولذات الآخرة صافية غير مكدرة فإذا قد غلط في قوله النقد خير من النسيئة . فهذا غرور منشؤه قبول لفظ عام مشهور ، أطلق وأريد به خاص ، فغفل به المغرور عن خصوص معناه . فإن من قال النقد خير من النسيئة ، أراد به خيرا من نسيئة هي مثله ، وإن لم يصرح به . وعند هذا يفزع الشيطان إلى القياس الآخر ، وهو أن اليقين خير من الشك ، والآخرة شك . وهذا القياس أكثر فسادا من الأوّل لأن كلا أصليه باطل . إذ اليقين خير من الشك إذا كان مثله . وإلَّا فالتاجر في تعبه على يقين . وفي ربحه على شك ، والمتفقه في اجتهاده على يقين ، وفي إدراكه رتبة العلم على شك . والصياد في تردده في المقتنص على يقين ، وفي الظفر بالصيد على شك . وكذا الحزم دأب العقلاء بالاتفاق وكل ذلك ترك لليقين بالشك . ولكن التاجر يقول . إن لم أتجر بقيت جائعا وعظم ضررى . وإن اتجرت كان تعبى قليلا وربحي كثيرا . وكذلك المريض يشرب الدواء البشع الكرية ، وهو من الشفاء على شك ، ومن مرارة الدواء على يقين . ولكن يقول ضرر مرارة الدواء قليل بالإضافة إلى ما أخافه من المرض والموت . فكذلك من شك في الآخرة ، فواجب عليه بحكم الحزم أن يقول : أيام الصبر قلائل ، وهو منتهى العمر ، بالإضافة إلى ما يقال من أمر الآخرة . فإن كان ما قيل فيه كذبا ، فما يفوتني إلا التنعم أيام حياتي ، وقد كنت في العدم من الأزل إلى الآن لا أتنعم . فأحسب أنى بقيت في العدم . وإن كان ما قيل صدقا فأبقى في النار أبد الآباد ، وهذا لا يطاق . ولهذا قال علي كرم الله وجهه لبعض الملحدين : إن كان ما قلته حقا فقد تخلصت وتخلصنا . وإن كان ما قلناه حقا فقد تخلصنا وهلكت . وما قال هذا عن شك منه في الآخرة ، ولكن كلم الملحد على قدر عقله ، وبين له أنه وإن لم يكن متيقنا فهو مغرور وأما الأصل الثاني من كلامه ، وهو أن الآخرة شك ، فهو أيضا خطأ . بل ذلك يقين عند المؤمنين . وليقينه مدركان : أحدهما الإيمان والتصديق تقليدا للأنبياء والعلماء ، وذلك أيضا يزيل الغرور ، وهو مدرك يقين العوام وأكثر الخواص ومثالهم مثال مريض لا يعرف دواء علته ، وقد اتفق الأطباء وأهل الصاعة من عند آخر هم على أن دواءه النبت الفلاني ، فإنه تطمئن نفس المريض إلى تصديقهم ، ولا يطالبهم بتصحيح