وقوله * ( وما الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ ) * « 1 » وقوله * ( فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ) * « 2 » وقد أخبر رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] بذلك طوائف من الكفار ، فقلدوه وصدقوه وآمنوا به ، ولم يطالبوه بالبرهان . ومنهم من قال [ 2 ] : نشدتك الله أبعثك الله رسولا ؟
فكان يقول نعم . فيصدق . وهذا إيمان العامة ، وهو يخرج من الغرور . وينزل هذا منزلة تصديق الصبي والده في أن حضور المكتب خير من حضور الملعب ، مع أنه لا يدرى وجه كونه خيرا وأما المعرفة بالبيان والبرهان . فهو أن يعرف وجه فساد هذا القياس الذي نظمه في قلبه الشيطان ، فإن كل مغرور فلغروره سبب . وذلك السبب هو دليل . وكل دليل فهو نوع قياس يقع في النفس ، ويورث السكون إليه ، وإن كان صاحبه لا يشعر به ، ولا يقدر على نظمه بألفاظ العلماء . فالقياس الذي نظمه الشيطان فيه أصلان . أحدهما : أن الدنيا نقد ، والآخرة نسيئة ، وهذا صحيح . والآخر : قوله إن النقد خير من النسيئة ، وهذا محل التلبيس . فليس الأمر كذلك . بل إن كان النقد مثل النسيئة في المقدار والمقصود ، فهو خير وإن كان أقل منها فالنسيئة خير . فإن الكافر المغرور يبذل في تجارته درهما ليأخذ عشرة نسيئة ، ولا يقول النقد خير من النسيئة فلا أتركه . وإذا حذره الطبيب الفواكه ولذائذ الأطعمة ترك ذلك في الحال ، خوفا من ألم المرض في المستقبل . فقد ترك النقد ورضى بالنسيئة . والتجار كلهم يركبون البحار ، ويتعبون في الأسفار نقدا ، لأجل الراحة والربح نسيئة . فإن كان عشرة في ثاني الحال ، خيرا من واحد في الحال ، فانسب لذة الدنيا من حيث مدتها إلى مدة الآخرة . فإن أقصى عمر الإنسان مائة سنة ، وليس هو عشر عشير من جزء من ألف ألف جزء من الآخرة
شرح
[ 1 ] حديث تصديق بعض الكفار بما أخبر به رسول الله صلَّى الله عليه وسلم وإيمانهم من غير مطالبة بالبرهان هو مشهور في السنن من ذلك قصة اسلام الأنصار وبيعتهم وهي عند أحمد من حديث جابر وفيه حتى بعثنا الله إليه من يثرب فآويناه وصدقناه فيخرج الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرءان فينقلب إلى أهله فيسلمون باسلامه - الحديث : وهي عند أحمد بإسناد جيد
[ 2 ] حديث قول من قال له نشدتك الله أبعثك رسولا فيقول نعم فيصدق : متفق عليه من حديث أنس في قصة ضمام بن ثعلبة وقوله للنبي صلَّى الله عليه وسلم آللَّه أرسلك للناس كلهم فقال اللهم نعم وفي آخره فقال الرجل آمنت بما جئت به وللطبراني من حديث ابن عباس في قصة ضمام قال نشدتك به أهو أرسلك بما أتتنا كتبك وأتتنا رسلك أن نشهد أن لا إله إلا الله وان يدع اللات والعزى قال نعم - الحديث :
هامش
« 1 » آل عمران : 185
« 2 » لقمان : 33