من ملء الأرض من المغترّين « وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] » الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله « وكل ما ورد في فضل العلم وذم الجهل فهو دليل على ذم الغرور . لأن الغرور عبارة عن بعض أنواع الجهل ، إذ الجهل هو أن يعتقد الشيء ويراه على خلاف ما هو به ، والغرور هو جهل ، إلا أن كل جهل ليس بغرور . بل يستدعى الغرور مغرورا فيه مخصوصا ، ومغرورا به وهو الذي يغره . فمهما كان المجهول المعتقد شيئا يوافق الهوى ، وكان السبب الموجب للجهل شبهة ومخيلة فاسدة يظن أنها دليل ولا تكون دليلا ، سمى الجهل الحاصل به غرورا . فالغرور هو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى ، ويميل إليه الطبع ، عن شبهة وخدعة من الشيطان . فمن اعتقد أنه على خير ، إما في العاجل أو في الآجل ، عن شبهة فاسدة ، فهو مغرور . وأكثر الناس يظنون بأنفسهم الخير وهم مخطئون فيه . فأكثر الناس إذا مغرورون وإن اختلفت أصناف غرورهم ، واختلف درجاتهم ، حتى كان غرور بعضهم أظهر وأشد من بعض ، وأظهرها وأشدها غرور الكفار ، وغرور العصاة والفساق ، فنورد لهما أمثلة لحقيقة الغرور
المثال الأول : غرور الكفار .
فمنهم من غرته الحياة الدنيا ، ومنهم من غره باللَّه الغرور أما الذين غرتهم الحياة الدنيا ، فهم الذين قالوا . النقد خير من النسيئة ، والدنيا نقد ، والآخرة نسيئة ، فهي إذا خير ، فلا بد من إيثارها . وقالوا . اليقين خير من الشك ، ولذّات الدنيا يقين ، ولذّات الآخرة شك ، فلا نترك اليقين بالشك . وهذه أقيسة فاسدة ، تشبه قياس إبليس حيث قال * ( أَنَا خَيْرٌ مِنْه ُ خَلَقْتَنِي من نارٍ وخَلَقْتَه ُ من طِينٍ ) * « 1 » وإلى هؤلاء الإشارة بقوله تعالى * ( أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ ولا هُمْ يُنْصَرُونَ ) * « 2 » . وعلاج هذا الغرور إما بتصديق الإيمان ، وإما بالبرهان .
أما التصديق بمجرد الإيمان فهو أن يصدق الله تعالى في قوله * ( ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وما عِنْدَ الله باقٍ ) * « 3 » وفي قوله عز وجل * ( وما عِنْدَ الله خَيْرٌ ) * « 4 » وقوله * ( والآخِرَةُ خَيْرٌ وأَبْقى ) * « 5 »
شرح
[ 1 ] حديث الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت - الحديث : الترمذي وابن ماجة من حديث شداد بن أوس
هامش
« 1 » ص : 76
« 2 » البقرة : 86
« 3 » النحل : 96
« 4 » القصص : 60
« 5 » الأعلى : 17