وقيل لعائشة رضي الله عنها : متى يكون الرجل مسيئا ؟ قالت إذا ظن أنه محسن . وقد قال تعالى * ( لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ والأَذى ) * « 1 » والمن نتيجة استعظام الصدقة ، واستعظام العمل هو العجب فظهر بهذا أن العجب مذموم جدا .
بيان آفة العجب
اعلم أن آفات العجب كثيرة . فإن العجب يدعو إلى الكبر لأنه أحد أسبابه كما ذكرناه فيتولد من العجب الكبر ، ومن الكبر الآفات الكثيرة التي لا تخفى . هذا مع العباد .
وأما مع الله تعالى ، فالعجب يدعو إلى نسيان الذنوب وإهمالها فبعض ذنوبه لا يذكرها ولا يتفقدها ، لظنه أنه مستغن عن تفقدها فينساها . وما يتذكره منها فيستصغره ولا يستعظمه ، فلا يجتهد في تدراكه وتلافيه . بل يظن أنه يغفر له . وأما العبادات والأعمال فإنه يستعظمها ويتبجح بها ويمن على الله بفعلها ، وينسى نعمة الله عليه بالتوفيق والتمكين منها . ثم إذا أعجب بها عمى عن آفاتها . ومن لم يتفقد آفات الأعمال كان أكثر سعيه ضائعا فإن الأعمال الظاهرة إذا لم تكن خالصة نقية عن الشوائب قلما تنفع . وإنما يتفقد من يغلب عليه الإشفاق والخوف دون العجب . والمعجب يغتر بنفسه وبرأيه ، ويأمن مكر الله وعذابه ويظن أنه عند الله بمكان ، وأن له عند الله منة وحقا بأعماله التي هي نعمة من نعمه . وعطية من عطاياه . ويخرجه العجب إلى أن يثنى على نفسه ويحمدها ويزكيها . وإن أعجب برأيه وعمله وعقله منع ذلك من الاستفادة ، ومن الاستشارة وللسؤال ، فيستبد بنفسه ورأيه ، ويستنكف من سؤال من هو أعلم منه . وربما يعجب بالرأي الخطأ الذي خطر له ، فيفرح بكونه من خواطره ، ولا يفرح بخواطر غيره ، فيصر عليه ، ولا يسمع نصح ناصح ، ولا وعظ واعظ . بل ينظر إلى غيره بعين الاستجهال ، ويصر على خطئه . فإن كان رأيه في أمر دنيوي فيحقق فيه ، وإن كان في أمر ديني لا سيما فيما يتعلق بأصول العقائد فيهلك به .
ولو اتّهم نفسه ولم يثق برأيه ، واستضاء بنور القرءان ، واستعان بعلماء الدين ، وواظب
هامش
« 1 » البقرة : 264