فهكذا يكون بعض العلماء والأكياس ، فينضم إليه الخوف والتواضع . وأما المغرور فإنه يتكبر ويرجو لنفسه أكثر مما يرجوه لغيره ، مع جهله بالعاقبة ، وذلك غاية الغرور . فهذا سبيل التواضع لمن عصى الله أو اعتقد البدعة مع الغضب عليه ومجانبته بحكم الأمر
السبب السابع : التكبر بالورع والعبادة .
وذلك أيضا فتنة عظيمة على العباد وسبيله أن يلزم قلبه التواضع لسائر العباد ، وهو أن يعلم أن من يتقدم عليه بالعلم لا ينبغي أن يتكبر عليه كيفما كان ، لما عرفه من فضيلة العلم . وقد قال تعالى * ( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) * « 1 » وقال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي » إلى غير ذلك مما ورد في فضل العلم . فإن قال العابد : ذلك لعالم عامل بعلمه ، وهذا عالم فاجر ، فيقال له أما عرفت أن الحسنات يذهبن السيئات ، وكما أن العلم يمكن أن يكون حجة على العالم ، فكذلك يمكن أن يكون وسيلة له وكفارة لذنوبه ، وكل واحد منهما ممكن . وقد وردت الأخبار بما يشهد لذلك . وإذا كان هذا الأمر غائبا عنه ، لم يجز له أن يحتقر عالما ، بل يجب عليه التواضع له .
فإن قلت : فإن صح هذا فينبغي أن يكون للعالم أن يرى نفسه فوق العابد ، لقوله عليه السّلام « فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي » فاعلم أن ذلك كان ممكنا لو علم العالم عاقبة أمره ، وخاتمة الأمر مشكوك فيها ، فيحتمل أن يموت بحيث يكون حاله عند الله أشد من حال الجاهل الفاسق ، لذنب واحد كان يحسبه هينا وهو عند الله عظيم ، وقد مقته به . وإذا كان هذا ممكنا ، كان على نفسه خائفا . فإذا كان كل واحد من العابد والعالم خائفا على نفسه ، وقد كلف أمر نفسه لا أمر غيره ، فينبغي أن يكون الغالب عليه في حق نفسه الخوف . وفي حق غيره الرجاء . وذلك يمنعه من التكبر بكل حال . فهذا حال العابد مع العالم فأما مع غير العالم ، فهم منقسمون في حقه إلى مستورين وإلى مكشوفين . فينبغي أن لا يتكبر
شرح
[ 1 ] حديث فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي : الترمذي من حديث أبي أمامة وتقدم في العلم
هامش
« 1 » الزمر : 9