على المستور فلعله أقل منه ذنوبا ، وأكثر منه عبادة ، وأشد منه حبا لله . وأما المكشوف حاله إن لم يظهر لك من الذنوب إلا ما تزيد عليه ذنوبك في طول عمرك ، فلا ينبغي أن تتكبر عليه . ولا يمكن أن تقول هو أكثر منى ذنبا ، لأن عدد ذنوبك في طول عمرك ، وذنوب غيرك في طول العمر لا تقدر على إحصائها حتى تعلم الكثرة . نعم يمكن أن تعلم أن ذنوبه أشد كما لو رأيت منه القتل ، والشرب ، والزنا ، ومع ذلك فلا ينبغي أن تتكبر عليه ، إذ ذنوب القلوب من الكبر ، والحسد ، والرياء ، والغل ، واعتقاد الباطل ، والوسوسة في صفات الله تعالى ، وتخيل الخطأ في ذلك كل ذلك شديد عند الله . فربما جرى عليك في باطنك من خفايا الذنوب ما صرت به عند الله ممقوتا . وقد جرى للفاسق الظاهر الفسق من طاعات القلوب من حب الله ، وإخلاص ، وخوف ، وتعظيم ، ما أنت خال عنه . وقد كفّر الله بذلك عنه سيئاته ، فينكشف الغطاء يوم القيامة ، فتراه فوق نفسك بدرجات ، فهذا ممكن ، والإمكان البعيد فيما عليك ينبغي أن يكون قريبا عندك إن كنت مشفقا على نفسك . فلا تتفكر فيما هو ممكن لغيرك ، بل فيما هو مخوف في حقك فإنه لا تزر وازرة وزر أخرى ، وعذاب غيرك لا يخفف شيئا من عذابك . فإذا تفكرت في هذا الخطر ، كان عندك شغل شاغل عن التكبر ، وعن أن ترى نفسك فوق غيرك . وقد قال وهب بن منبه : ما تم عقل عبد حتى يكون فيه عشر خصال : فعد تسعة حتى بلغ العاشر فقال : العاشرة وما العاشرة ، بها ساد مجده وبها علا ذكره ، أن يرى الناس كلهم خيرا منه ، وإنما الناس عنده فرقتان فرقة هي أفضل منه وأرفع ، وفرقة هي شر منه وأدنى . فهو يتواضع للفرقتين جميعا بقلبه . إن رأى من هو خير منه سره ذلك ، وتمنى أن يلحق به ، وإن رأى من هو شر منه قال لعل هذا ينجو وأهلك أنا ، فلا تراه إلا خائفا من العاقبة . ويقول لعل بر هذا باطن ، فذلك خير له ، ولا أدرى لعل فيه خلقا كريما بينه وبين الله ، فيرحمه الله ويتوب عليه ، ويختم له بأحسن الأعمال . ويرى ظاهر فذلك شر لي ، فلا يأمن فيما أظهره من الطاعة أن يكون دخلها الآفات فأحبطتها . ثم قال :
فحينئذ كمل عقله : وساد أهل زمانه . فهذا كلامه . وبالجملة فمن جوّز أن يكون عند الله شقيا وقد سبق القضاء في الأزل بشقوته . فما له سبيل إلى أن يتكبر بحال من الأحوال . نعم إذا غلب عليه الخوف رأى كل أحد خيرا من نفسه . وذلك هو الفضيلة ، كما روى أن عابدا آوى إلى جبل
إحياء علوم الدين — صفحة 55
مساهمون: الغزالي
ص٥٥