تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
فإن قلت : فقد قال عيسى عليه السّلام : جودة الثياب خيلاء القلب . وقد سئل نبينا صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] عن الجمال في الثياب ، هل هو من الكبر ؟ فقال « لا ولكنّ من سفه الحقّ وغمص النّاس » فكيف طريق الجمع بينهما ؟ . فاعلم أن الثوب الجديد ليس من ضرورته أن يكون من التكبر في حق كل أحد في كل حال . وهو الذي أشار إليه رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ، وهو الذي عرفه رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] من حال ثابت ابن قيس ، إذ قال إني امرؤ حبب إلىّ من الجمال ما ترى ، فعرف أن ميله إلى النظافة وجودة الثياب ، لا ليتكبر على غيره ، فإنه ليس من ضرورته أن يكون من الكبر وقد يكون ذلك من الكبر . كما أن الرضا بالثوب الدون قد يكون من التواضع . وعلامة المتكبر أن يطلب التجمل إذا رآه الناس ، ولا يبالي إذا انفرد بنفسه كيف كان . وعلامة طالب الجمال أن يحب الجمال في كل شيء ولو في خلوته ، وحتى في سنور داره . فذلك ليس من التكبر . فإذا انقسمت الأحوال . نزل قول عيسى عليه السّلام على بعض الأحوال . على أن قوله خيلاء القلب يعنى قد تورث خيلاء في القلب . وقول نبينا صلَّى الله عليه وسلم إنه ليس من الكبر يعنى أن الكبر لا يوجبه . ويجوز أن لا يوجبه الكبر ، ثم يكون هو مورثا للكبر . وبالجملة فالأحوال تختلف في مثل هذا . والمحبوب الوسط من اللباس ، الذي لا يوجب شهرة بالجودة ولا بالرداءة . وقد قال صلَّى الله عليه وسلم [ 3 ] « كلوا واشربوا والبسوا وتصدّقوا في غير سرف ولا مخيلة [ 4 ] إنّ الله يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده » وقال بكر بن عبد الله المزني : البسوا ثياب الملوك ، وأميتوا قلوبكم بالخشية . وإنما خاطب بهذا قوما يطلبون التكبر بثياب أهل الصلاح . وقد قال عيسى عليه السّلام : ما لكم تأتوني وعليكم ثياب الرهبان ، وقلوبكم قلوب الذئاب الضواري . البسوا ثياب الملوك ، وأميتوا قلوبكم بالخشية
شرح
[ 1 ] حديث سئل عن الجمال في الثياب هل هو من الكبر فقال لا - الحديث : تقدم غير مرة [ 2 ] حديث ان ثابت بن قيس قال للنبي صلَّى الله عليه وسلم انى امرؤ حبب إلى الجمال - الحديث : هو الذي قبله سمى فيه السائل وقد تقدم [ 3 ] حديث كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة : النسائي وابن ماجة من رواية عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده [ 4 ] حديث ان الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده : الترمذي وحسنه من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أيضا وقد جعلهما المصنف حديثا واحدا
إحياء علوم الدين — صفحة 38 | الغزالي