باطنا بأنه لا يستحق ذلك ، ولا كبر في باطنه ، لمعرفته بأنه كاذب في دعوى النسب . ولكن يحمله الرياء على أفعال المتكبرين . وكأن اسم المتكبر إنما يطلق في الأكثر على من يفعل هذه الأفعال عن كبر في الباطن ، صادر عن العجب ، والنظر إلى الغير بعين الاحتقار . وهو إن سمى متكبرا فلأجل التشبه بأفعال الكبر ، نسأل الله حسن التوفيق . والله تعالى أعلم
بيان أخلاق المتواضعين ، ومجامع ما يظهر فيه أثر التواضع والتكبر
اعلم أن التكبر يظهر في شمائل الرجل ، كصعر في وجهه ، ونظره شزرا ، وإطراقه رأسه وجلوسه متربعا أو متكئا . وفي أقواله ، حتى في صوته ونغمته ، وصيغته في الإيراد . ويظهر في مشيته وتبختره ، وقيامه وجلوسه ، وحركاته وسكناته . وفي تعاطيه لأفعاله ، وفي سائر تقلباته في أحواله ، وأقواله ، وأعماله . فمن المتكبرين من يجمع ذلك كله ، ومنهم من يتكبر في بعض ويتواضع في بعض . فمنها التكبر بأن يحب قيام الناس له أو بين يديه . وقد قال علي كرم الله وجهه : من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار ، فلينظر إلى رجل قاعد وبين يديه قوم قيام .
وقال أنس [ 1 ] لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له ، لما يعلمون من كراهته لذلك . ومنها أن لا يمشى إلا ومعه غيره يمشى خلفه . قال أبو الدرداء لا يزال العبد يزداد من الله بعدا ما مشى خلفه . وكان عبد الرحمن بن عوف لا يعرف من عبيده ، إذ كان لا يتميز عنهم في صورة ظاهرة . ومشى قوم خلف الحسن البصري فمنعهم وقال . ما يبقى هذا من قلب العبد وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] في بعض الأوقات يمشى مع بعض الأصحاب فيأمرهم بالتقدم ، ويمشى في غمارهم ، إما لتعليم غيره ، أو لينفى عن نفسه وساوس الشيطان بالكبر
شرح
[ 1 ] حديث أنس لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلَّى الله عليه وسلم وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له الحديث : تقدم في آداب الصحبة وفي أخلاق النبوة
[ 2 ] حديث كان في بعض الأوقات يمشى مع الأصحاب فيأمرهم بالتقدم : أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي أمامة بسند ضعيف جدا انه خرج يمشى إلى البقيع فتبعه أصحابه فوقف فأمرهم أن يتقدموا ومشى خلفهم فسئل عن ذلك فقال إني سمعت خفق نعالكم فأشفقت أن يقع في نفسي شيء من الكبر وهو منكر فيه جماعة ضعفاء