فبهذا تعرف أنه لا خلاص إلا برجحان ميزان الحسنات ولو بمثقال ذرة . فلا بد للتائب من تكثير الحسنات ، هذا حكم القصد المتعلق بالماضي
وأما العزم المرتبط بالاستقبال ، فهو أن يعقد مع الله عقدا مؤكدا ، ويعاهده بعهد وثيق ، أن لا يعود إلى تلك الذنوب ، ولا إلى أمثالها . كالذي يعلم في مرضه أن الفاكهة تضره مثلا ، فيعزم عزما جزما أنه لا يتناول الفاكهة ما لم يزل مرضه . فإن هذا العزم يتأكد في الحال ، وإن كان يتصور أن تغلبه الشهوة في ثاني الحال ولكن لا يكون تائبا ما لم يتأكد عزمه في الحال . ولا يتصور أن يتم ذلك للتائب في أول أمره إلا بالعزلة ، والصمت وقلة الأكل والنوم ، وإحراز قوت حلال . فإن كان له مال موروث حلال ، أو كانت له حرفة يكتسب بها قدر الكفاية ، فليقتصر عليه . فإن رأس المعاصي أكل الحرام فكيف يكون تائبا مع الإصرار عليه ! . ولا يكتفى بالحلال وترك الشبهات من لا يقدر على ترك الشهوات في المأكولات والملبوسات وقد قال بعضهم : من صدق في ترك شهوة وجاهد نفسه لله سبع مرار لم يبتل بها وقال آخر : من تاب من ذنب واستقام سبع سنين لم يعد إليه أبدا ومن مهمات التائب إذا لم يكن عالما ، أن يتعلم ما يجب عليه في المستقبل . وما يحرم عليه ، حتى يمكنه الاستقامة . وإن لم يؤثر العزلة لم تتم له الاستقامة المطلقة ، إلا أن يتوب عن بعض الذنوب ، كالذي يتوب عن الشرب والزنا والغضب مثلا ، وليست هذه توبة مطلقة . وقد قال بعض الناس إن هذه التوبة لا تصح . وقال قائلون : تصح . ولفظ الصحة في هذا المقام مجمل بل نقول لمن قال لا تصح إن عنيت به أن تركه بعض الذنوب لا يفيد أصلا ، بل وجوده كعدمه ، فما أعظم خطأك . فإنا نعلم أن كثرة الذنوب سبب لكثرة العقاب ، وقلتها سبب لقلته . ونقول لمن قال تصح ، إن أردت به أن التوبة عن بعض الذنوب توجب قبولا يوصل إلى النجاة أو الفوز ، فهذا أيضا خطأ . بل النجاة والفوز بترك الجميع هذا حكم الظاهر . ولسنا نتكلم في خفايا أسرار عفو الله فإن قال من ذهب إلى أنها لا تصح . إني أردت به أن التوبة عبارة عن الندم . وإنما يندم على السرقة مثلا لكونها معصية ، لا لكونها سرقة . ويستحيل أن يندم عليها دون الزنا إن كان توجعه لأجل المعصية ، فإن العلة شاملة لهما ، إذ من يتوجع على قتل ولده بالسيف يتوجع على قتله بالسكين ، لأن توجعه بفوات محبوبه سواء كان بالسيف أو بالسكين ، فكذلك توجع العبد بفوات محبوبه ، وذلك بالمعصية سواء عصى بالسرقة أو الزنا ، فكيف يتوجع على البعض دون البعض ، فالندم حالة يوجبها العلم بكون المعصية مفوتة للمحبوب من حيث إنها معصية . فلا يتصوّر أن
إحياء علوم الدين — صفحة 205
مساهمون: الغزالي
ص٢٠٥