كالذي يتوب عن الغيبة ، أو عن النظر إلى غير المحرم ، أو ما يجرى مجراه ، وهو مصر على شرب الخمر فهو أيضا ممكن ووجه إمكانه أنه ما من مؤمن إلا وهو خائف من معاصيه ، ونادم على فعله ندما إما ضعيفا وإما قويا ، ولكن تكون لذة نفسه في تلك المعصية أقوى من ألم قلبه في الخوف منها ، لأسباب توجب ضعف الخوف من الجهل والغفلة ، وأسباب توجب قوة الشهوة ، فيكون الندم موجودا ، ولكن لا يكون مليا بتحريك العزم ، ولا قويا عليه . فإن سلم عن شهوة أقوى منه ، بأن لم يعارضه إلا ما هو أضعف ، قهر الخوف الشهوة وغلبها ، وأوجب ذلك ترك المعصية . وقد تشتد ضراوة الفاسق بالخمر ، فلا يقدر على الصبر عنه ، وتكون له ضراوة ما بالغيبة ، وثلب الناس ، والنظر إلى غير المحرم ، وخوفه من الله قد بلغ مبلغا يقمع هذه الشهوة الضعيفة دون القوية . فيوجب عليه جند الخوف انبعاث العزم للترك ، بل يقول هذا الفاسق في نفسه . إن قهرني الشيطان بواسطة غلبة الشهوة في بعض المعاصي ، فلا ينبغي أن أخلع العذار وأرخى العنان بالكلية ، بل أجاهده في بعض المعاصي ، فعسانى أغلبه ، فيكون قهري له في البعض كفارة لبعض ذنوبي . ولو لم يتصور هذا لما تصور من الفاسق أن يصلَّى ويصوم ، ولقيل له إن كانت صلاتك لغير الله فلا تصح ، وإن كانت لله فاترك الفسق لله ، فإن أمر الله فيه واحد ، فلا يتصور أن تقصد بصلاتك التقرب إلى الله تعالى ، ما لم تتقرب بترك الفسق وهذا محال بأن يقول لله تعالى علىّ أمران ، ولي على المخالفة فيها عقوبتان . وأنا ملى في أحدهما بقهر الشيطان ، عاجز عنه في الآخر ، فأنا أقهره فيما أقدر عليه ، وأرجو بمجاهدتي فيه أن يكفر عنى بعض ما عجزت عنه بفرط شهوتي . فكيف لا يتصور هذا ، وهو حال كل مسلم ؟
إذ لا مسلم إلا وهو جامع بين طاعة الله ومعصيته ، ولا سبب له إلا هذا . وإذا فهم هذا فهم أن غلبة الخوف للشهوة في بعض الذنوب ممكن وجودها . والخوف إذا كان من فعل ماض أورث الندم ، والندم يورث العزم . وقد قال النبي صلَّى الله عليه وسلم « النّدم توبة » ولم يشترط الندم على كل ذنب . وقال « التّائب من الذّنب كمن لا ذنب له » ولم يقل التائب من الذنوب كلها وبهذه المعاني تبين سقوط قول القائل : إن التوبة عن بعض الذنوب غير ممكنة ، لأنها متماثلة في حق الشهوة ، وفي حق التعرض إلى سخط الله تعالى ، نعم يجوز أن يتوب عن شرب الخمر دون النبيذ ، لتفاوتهما في اقتضاء السخط . ويتوب عن الكثير دون القليل ، لأن لكثرة الذنوب تأثيرا في كثرة العقوبة ، فيساعد الشهوة بالقدر الذي يعجز عنه ، ويترك بعض شهوته لله تعالى كالمريض الذي حذره الطبيب الفاكهة ، فإنه قد يتناول قلبها ، ولكن لا يستكثر منها . فقد حصل من
إحياء علوم الدين — صفحة 207
مساهمون: الغزالي
ص٢٠٧