تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
بغصب ، أو خيانة ، أو غبن في معاملة بنوع تلبيس ، كترويج زائف ، أو ستر عيب من المبيع ، أو نقص أجرة أجير ، أو منع أجرته ، فكل ذلك يجب أن يفتش عنه لا من حد بلوغه ، بل من أول مدة وجوده . فإن ما يجب في مال الصبي يجب على الصبي إخراجه بعد البلوغ ، إن كان الولي قد قصر فيه . فإن لم يفعل كان ظالما مطالبا به ، إذ يستوي في الحقوق المالية الصبي والبالغ . وليحاسب نفسه على الحبات والدوانق من أول يوم حياته إلى يوم توبته ، قبل أن يحاسب في القيامة : وليناقش قبل أن يناقش فمن لم يحاسب نفسه في الدنيا طال في الآخرة حسابه . فإن حصل مجموع ما عليه بظن غالب ونوع من الاجتهاد ممكن ، فليكتبه ، وليكتب أسامي أصحاب المظالم واحدا واحدا ، وليطف في نواحي العالم وليطلبهم ، وليستحلهم ، أو ليؤد حقوقهم . وهذه التوبة تشق على الظلمة وعلى التجار ، فإنهم لا يقدرون على طلب المعاملين كلهم ، ولا على طلب ورثتهم . ولكن على كل واحد منهم أن يفعل منه ما يقدر عليه . فإن عجز فلا يبقى له طريق إلا أن يكثر من الحسنات ، حتى تفيض عنه يوم القيامة ، فتؤخذ حسناته وتوضع في موازين أرباب المظالم ولتكن كثرة حسناته بقدر كثرة مظالمه ، فإنه إن لم تف بها حسناته حمّل من سيئات أرباب المظالم ، فيهلك بسيئات غيره فهذا طريق كل تائب في رد المظالم . وهذا يوجب استغراق العمر في الحسنات لو طال العمر بحسب طول مدة الظلم . فكيف ذلك مما لا يعرف ، وربما يكون الأجل قريبا فينبغي أن يكون تشميره للحسنات والوقت ضيق ، أشد من تشميره الذي كان في المعاصي في متسع الأوقات . هذا حكم المظالم الثابتة في ذمته . أما أمواله الحاضرة . فليرد إلى المالك ما يعرف له مالكا معينا . وما لا يعرف له مالكا فعليه أن يتصدق به . فإن اختلط الحلال بالحرام فعليه أن يعرف قدر الحرام بالاجتهاد ، ويتصدق بذلك المقدار كما سبق تفصيله في كتاب الحلال والحرام . وأما الجناية على القلوب بمشافهة الناس بما يسوءهم أو يعيبهم في الغيبة ، فيطلب كل من تعرض له بلسانه ، أو آذى قلبه بفعل من أفعاله ، وليستحل واحدا واحدا منهم . ومن مات أو غاب فقد فات أمره ، ولا يتدارك إلا بتكثير الحسنات ، لتؤخذ منه عوضا في القيامة . وأما من وجده وأحله بطيب قلب منه ، فذلك كفارته . وعليه أن يعرفه قدر جنايته وتعرضه له . فالاستحلال المبهم لا يكفي . وربما لو عرف ذلك وكثرة تعديه عليه لم تطلب نفسه بالإحلال ، وادخر ذلك في القيامة ذخيرة يأخذها من حسناته ، أو يحمله من سيئاته . فإن كان في جملة جنايته على الغير ما لو ذكره وعرفه لتأذى بمعرفته ، كزناه بجاريته أو أهله ، أو نسبته باللسان إلى عيب من خفايا عيوبه . يعظم أذاه مهما شوفه به ، فقد انسد عليه طريق