الاستحلال ، فليس له إلا أن يستحل منها ، ثم تبقى له مظلمة فليجبرها بالحسنات ، كما يجبر مظلمة الميت والغائب . وأما الذكر والتعريف فهو سيئة جديدة يجب الاستحلال منها ومهما ذكر جنايته ، وعرفه المجنى عليه . فلم تسمح نفسه بالاستحلال ، بقيت المظلمة عليه . فإن هذا حقه . فعليه أن يتلطف به ، ويسعى في مهماته وأغراضه ، ويظهر من حبه والشفقة عليه ما يستميل به قلبه ، فإن الإنسان عبد الإحسان ، وكل من نفر بسيئة مال بحسنة . فإذا طاب قلبه بكثرة تودده وتلطفه ، سمحت نفسه بالإحلال فإن ؟ ؟ ؟ أبي إلَّا الإصرار ، فيكون تلطفه به واعتذاره إليه من جملة حسناته التي يمكن أن يجبر بها في القيامة جنايته . وليكن قدر سعيه في فرحه ، وسرور قلبه بتودده وتلطفه ، كقدر سعيه في أذاه حتى إذا قاوم أحدهما الآخر ، أو زاد عليه ، أخذ ذلك منه عوضا في القيامة بحكم الله به عليه . كمن أتلف في الدنيا مالا ، فجاء بمثله ، فامتنع من له المال من القبول وعن الإبراء ، فإن الحاكم يحكم عليه بالقبض منه شاء أم أبى فكذلك يحكم في صعيد القيامة أحكم الحاكمين ، وأعدل المقسطين : وفي المتفق عليه من الصحيحين ، عن أبي سعيد الخدري أن نبي الله صلَّى الله عليه وسلم قال [ 1 ] « كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا فسأل عن أعلم أهل الأرض فدلّ على راهب فأتاه فقال إنّه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة قال لا فقتله فكمّل به مائة ثمّ سأل عن أعلم أهل الأرض فدلّ على رجل عالم فقال له إنّه قتل مائة نفس فهل له من توبة قال نعم ومن يحول بينه وبين التّوبة انطلق إلى أرض كذا وكذا فإنّ بها أناسا يعبدون الله عزّ وجلّ فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنّها أرض سوء فانطلق حتّى إذا نصف الطَّريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرّحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرّحمة جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله وقالت ملائكة العذاب إنّه لم يعمل خيرا قطَّ فأتاهم ملك في صورة آدمىّ فجعلوه حكما بينهم فقال قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيّتهما كان أدنى فهو له فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض الَّتي أراد فقبضته ملائكة الرّحمة » وفي رواية « فكان إلى القرية الصّالحة أقرب منها بشبر فجعل من أهلها » وفي رواية « فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تباعدي وإلى هذه أن تقرّبي وقال قيسوا ما بينهما فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له »
شرح
[ 1 ] حديث أبي سعيد الخدري المتفق عليه كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين فسأل عن أعلم أهل الأرض - الحديث : هو متفق عليه كما قال المصنف من حديث أبي سعيد