يكون على بعض المعاصي دون البعض ، ولو جاز هذا لجاز أن يتوب من شرب الخمر من أحد الدنين دون الآخر ، فإن استحال ذلك من حيث إن المعصية في الخمرين واحد ، وإنما الدنان ظروف فكذلك أعيان المعاصي آلات للمعصية ، والمعصية من حيث مخالفة الأمر واحدة ، فإذا معنى عدم الصحة أن الله تعالى وعد التائبين رتبة ، وتلك الرتبة لا تنال إلا بالندم ، ولا يتصوّر الندم على بعض المتماثلات فهو كالملك المرتب على الإيجاب والقبول فإنه إذا لم يتم الإيجاب والقبول نقول إن العقد لا يصح ، لم تترتب عليه الثمرة وهو أي الملك . وتحقيق هذا أن ثمرة مجرد الترك أن ينقطع عنه عقاب ما تركه ، وثمرة الندم تكفير ما سبق فترك السرقة لا يكفر السرقة ، بل الندم عليها . ولا يتصوّر الندم إلا لكونها معصية وذلك يعم جميع المعاصي وهو كلام مفهوم واقع ، يستنطق المنصف بتفصيل به ينكشف الغطاء فنقول التوبة عن بعض الذنوب لا تخلو إما أن تكون عن الكبائر دون الصغائر ، أو عن الصغائر دون الكبائر أو عن كبيرة دون كبيرة . أما التوبة عن الكبائر دون الصغائر ، فأمر ممكن . لأنه يعلم أن الكبائر أعظم عند الله ، وأجلب لسخط الله ومقته . والصغائر أقرب إلى تطرق العفو إليها فلا يستحيل أن يتوب عن الأعظم ويتندم عليه . كالذي يجنى على أهل الملك وحرمه ، ويجنى على دابته فيكون خائفا من الجناية على الأهل ، مستحقرا للجناية على الدابة والندم بحسب استعظام الذنب واعتقاد كونه مبعدا عن الله تعالى وهذا ممكن وجوده في الشرع . فقد كثر التائبون في الأعصار الخالية ، ولم يكن أحد منهم معصوما . فلا تستدعى التوبة العصمة . والطبيب قد يحذر المريض العسل تحذيرا شديدا ، ويحذره السكر تحذيرا أخف منه ، على وجه يشعر معه أنه ربما لا يظهر ضرر السكر أصلا ، فيتوب المريض بقوله عن العسل دون السكر . فهذا غير محال وجوده وإن أكلهما جميعا بحكم شهوته ، ندم على أكل العسل دون السكر . الثاني : أن يتوب عن بعض الكبائر دون بعض وهذا أيضا ممكن . لاعتقاده أن بعض الكبائر أشد وأغلظ عند الله . كالذي يتوب عن القتل ، والنهب ، والظلم ومظالم العباد ، لعلمه أن ديوان العباد لا يترك ، وما بينه وبين الله يتسارع العفو إليه . فهذا أيضا ممكن ، كما في تفاوت الكبائر والصغائر . لأن الكبائر أيضا متفاوتة في أنفسها وفي اعتقاد مرتكبها . ولذلك قد يتوب عن بعض الكبائر التي لا تتعلق بالعباد ، كما يتوب عن شرب الخمر دون الزنا مثلا ، إذ يتضح له أن الخمر مفتاح الشرور ، وأنه إذا زال عقله ارتكب جميع المعاصي وهو لا يدرى ، فبحسب ترجح شرب الخمر عنده ينبعث منه خوف ، يوجب ذلك تركا في المستقبل وندما على الماضي . الثالث : أن يتوب عن صغيرة أو صغائر ، وهو مصر على كبيرة يعلم أنها كبيرة
إحياء علوم الدين — صفحة 206
مساهمون: الغزالي
ص٢٠٦