تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
تاب منه في قلبه . فإن قلت فالذنوب هي أعمال مشتهاة بالطبع ، فكيف يجد مرارتها فأقول : من تناول عسلا كان فيه سم ، ولم يدركه بالذوق ، واستلذه ، ثم مرض وطال مرضه وألمه ، وتناثر شعره ، وفلجت أعضاؤه ، فإذا قدم إليه عسل فيه مثل ذلك السم ، وهو في غاية الجوع والشهوة للحلاوة ، فهل تنفر نفسه عن ذلك العسل أم لا ؟ فإن قلت لا ، فهو جحد للمشاهدة والضرورة . بل ربما تنفر عن العسل الذي ليس فيه سم أيضا ، لشبهه به : فوجد أن التائب مرارة الذنب كذلك يكون وذلك لعلمه بأن كل ذنب فذوقه ذوق العسل ، وعمله عمل السم . ولا تصح التوبة ولا تصدق إلا بمثل هذا الإيمان . ولما عز مثل هذا الإيمان عزت التوبة ، والتائبون فلا ترى إلا معرضا عن الله تعالى ، متهاونا بالذنوب ، مصرا عليها . فهذا شرط تمام الندم . وينبغي أن يدوم إلى الموت . وينبغي أن يجد هذه المرارة في جميع الذنوب ، وإن لم يكن قد ارتكبها من قبل ، كما يجد متناول السم في العسل النفرة من الماء البارد ، مهما علم أن فيه مثل ذلك السم ، إذ لم يكن ضرره من العسل بل مما فيه . ولم يكن ضرر التائب من سرقته وزناه من حيث إنه سرقة وزنا ، بل من حيث إنه مخالفة أمر الله تعالى ، وذلك جار في كل ذنب وأما القصد الذي ينبعث منه ، وهو إرادة التدارك ، فله تعلق بالحال ، وهو يوجب ترك كل محظور هو ملابس له ، وأداء كل فرض هو متوجه عليه في الحال وله تعلق بالماضي ، وهو تدارك ما فرط . وبالمستقبل ، وهو دوام الطاعة ، ودوام ترك المعصية إلى الموت . وشرط صحتها فيما يتعلق بالماضي ، أن يردّ فكره إلى أوّل يوم بلغ فيه بالسن أو الاحتلام ، ويفتش عما مضى من عمره سنة سنة ، وشهرا شهرا ، ويوما يوما ، ونفسا نفسا . وينظر إلى الطاعات ما الذي قصر فيه منها ، وإلى المعاصي ما الذي قارفه منها . فإن كان قد ترك صلاة ، أو صلاها في ثوب نجس ، أو صلاها بنية غير صحيحة لجهله بشرط النية ، فيقضيها عن آخرها . فإن شك في عدد ما فاته ، منها حسب من مدة بلوغه وترك القدر الذي يستيقن أنه أداه ، ويقضى الباقي . وله أن يأخذ فيه بغالب الظن ، ويصل إليه على سبيل التحري والاجتهاد . وأما الصوم ، فإن كان قد تركه في سفر ولم يقضه ، أو أفطر عمدا ، أو نسي النية بالليل ولم يقض ، فيتعرف مجموع ذلك بالتحري والاجتهاد ، ويشتغل بقضائه . وأما الزكاة ، فيحسب جميع ماله ، وعدد السنين من أول ملكه لا من زمان البلوغ ، فإن الزكاة واجبة في مال الصبي : فيؤدى ما علم بغالب الظن أنه في ذمته . فإن أداه لا على وجه يوافق مذهبه ، بأن لم يصرف إلى الأصناف الثمانية ، أو أخرج البدل وهو على مذهب الشافعي رحمه الله تعالى ، فيقضى