فعله . فهما جنايتان انضمتا إلى جنايته ، فغلظت به . فإن انضاف إلى ذلك الترغيب للغير فيه والحمل عليه ، وتهيئة الأسباب له ، صارت جناية رابعة ، وتفاحش الأمر . وفي الخبر [ 1 ] « كلّ النّاس معافى إلَّا المجاهرين يبيت أحدهم على ذنب قد ستره الله عليه فيصبح فيكشف ستر الله ويتحدّث بذنبه » وهذا لأن من صفات الله ونعمه أنه يظهر الجميل ويستر القبيح ، ولا يهتك الستر . فالإظهار كفران لهذه النعمة . وقال بعضهم : لا تذنب فإن كان ولا بد فلا ترغب غيرك فيه فتذنب ذنبين . ولذلك قال تعالى * ( الْمُنافِقُونَ والْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ من بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ ويَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ ) * « 1 » وقال بعض السلف :
ما انتهك المرء من أخيه حرمة أعظم من أن يساعده على معصية ، ثم يهونها عليه
ومنها أن يكون المذنب عالما يقتدى به
فإذا فعله بحيث يرى ذلك منه كبر ذنبه كلبس .
العالم الإبريسم ، وركوبه مراكب الذهب ، وأخذه مال الشبهة من أموال السلاطين ، ودخوله على السلاطين ، وتردده عليهم ، ومساعدته إياهم بترك الإنكار عليهم ، وإطلاق اللسان في الأعراض وتعديه باللسان في المناظرة ، وقصده الاستخفاف ، واشتغاله من العلوم بما لا يقصد منه إلا الجاه ، كعلم الجدل والمناظرة . فهذه ذنوب يتبع العالم عليها ، فيموت العالم ويبقى شره مستطيرا في العالم آمادا متطاولة . فطوبى لمن إذا مات ماتت ذنوبه معه . وفي الخبر [ 2 ] « من سنّ سنّة سيّئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيئا » قال تعالى * ( ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ ) * « 2 » والآثار ما يلحق من الأعمال بعد انقضاء العمل والعامل وقال ابن عباس : ويل للعالم من الأتباع ، يزل زلة فيرجع عنها ، ويحملها الناس فيذهبون بها في الآفاق . وقال بعضهم . مثل زلة العالم مثل انكسار السفينة تغرق ويغرق أهلها . وفي الإسرائيليات أن عالما كان يضل الناس بالبدعة ، ثم أدركته توبة ، فعمل في الإصلاح دهرا .
فأوحى الله تعالى إلى نبيهم . قل له إن ذنبك لو كان فيما بيني وبينك لغفرته لك ولكن كيف بمن أضللت من عبادي فأدخلتهم النار ؟ . فبهذا يتضح أن أمر العلماء مخطر ، فعليهم وظيفتان إحداهما : ترك الذنب ، والأخرى إخفاؤه . وكما تتضاعف أوزارهم على الذنوب ، فكذلك
شرح
[ 1 ] حديث كل الناس معافى إلا المجاهرين - الحديث : متفق عليه من حديث أبي هريرة بلفظ كل أمتي وقد تقدم .
[ 2 ] حديث من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها - الحديث : مسلم من حديث جرير بن عبد الله وقد تقدم في آداب الكسب
هامش
« 1 » التوبة : 67
« 2 » يس : 12