يتضاعف ثوابهم على الحسنات إذا اتبعوا . فإذا ترك التجمل والميل إلى الدنيا ، وقنع منها باليسير ومن الطعام بالقوت ، ومن الكسوة بالخلق ، فيتبع عليه ويقتدى به العلماء والعوام ، فيكون له مثل ثوابهم وإن مال إلى التجمل ، مالت طباع من دونه إلى التشبه به ، ولا يقدرون على التجمل إلا بخدمة السلاطين ، وجمع الحطام من الحرام . ويكون هو السبب في جميع ذلك .
فحركات العلماء في طورى الزيادة والنقصان تتضاعف آثارها ، إما بالربح ، وإما بالخسران : وهذا القدر كاف في تفاصيل الذنوب التي التوبة توبة عنها
الركن الثالث في تمام التوبة وشروطها ودوامها إلى آخر العمر
قد ذكرنا أن التوبة عبارة عن ندم يورث عزما وقصدا .
وذلك الندم أورثه العلم بكون المعاصي حائلا بينه وبين محبوبه . ولكل واحد من العلم والندم والعزم دوام وتمام . ولتمامها علامة ، ولدوامها شروط . فلا بد من بيانها ، أما العلم فالنظر فيه نظر في سبب التوبة وسيأتي . وأما الندم :
فهو توجع القلب عند شعوره بفوات المحبوب . وعلامته طول الحسرة ، والحزن ، وانسكاب الدمع ، وطول البكاء والفكر . فمن استشعر عقوبة نازلة بولده أو ببعض أعزته ، طال عليه مصيبته وبكاؤه .
وأي عزيز أعز عليه من نفسه ، وأي عقوبة أشد من النار ، وأي شيء أدل على نزول العقوبة من المعاصي وأي مخبر أصدق من الله ورسوله ! ولو حدثه إنسان واحد يسمى طبيبا ، أن مرض ولده المريض لا يبرأ ، وأنه سيموت منه ، لطال في الحال حزنه . فليس ولده بأعز من نفسه ، ولا الطبيب بأعلم ولا أصدق من الله ورسوله ، ولا الموت بأشد من النار ، ولا المرض بأدل على الموت من المعاصي على سخط الله تعالى ، والتعرض بها للنار . فألم الندم كلما كان أشد كان تكفير الذنوب به أرجى . فعلامة صحة الندم رقة القلب ، وغزارة الدمع . وفي الخبر [ 1 ] « جالسوا التّوّابين فإنّهم أرقّ أفئدة »
ومن علامته أن تتمكن مرارة تلك الذنوب في قلبه
بدلا عن حلاوتها ، فيستبدل بالميل كراهية ، وبالرغبة نفرة . وفي الإسرائيليات أن الله سبحانه وتعالى قال لبعض أنبيائه ، وقد سأله قبول توبة عبد ، بعد أن اجتهد سنين في العبادة ولم ير قبول توبته فقال : وعزتي وجلالي ، لو شفع فيه أهل السماوات والأرض ما قبلت توبته ، وحلاوة ذلك الذنب الذي
شرح
[ 1 ] حديث جالسوا التوابين فإنهم أرق أفئدة : لم أجده مرفوعا وهو من قول عون بن عبد الله رواه ابن أبي الدنيا في التوبة قال جالسوا التوابين فإن رحمة الله إلى النادم أقرب وقال أيضا فالموعظة إلى قلوبهم أسرع وهم إلى الرقة أقرب وقال أيضا التائب أسرع دمعة وأرق قلبا