تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
قال بعض العارفين . لا صغيرة ، بل كل مخالفة فهي كبيرة . وكذلك قال بعض الصحابة رضي الله عنهم للتابعين . وإنكم لتعملون أعمالا هي في أعينكم أدق من الشعر ، كنا نعدها على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلم من الموبقات . إذ كانت معرفة الصحابة بجلال الله أتم ، فكانت الصغائر عندهم بالإضافة إلى جلال الله تعالى من الكبائر . وبهذا السبب يعظم من العالم ما لا يعظم من الجاهل ، ويتجاوز عن العامي في أمور لا يتجاوز في أمثالها عن العارف لأن الذنب والمخالفة يكبر بقدر معرفة المخالف . ومنها السرور بالصغيرة ، والفرح والتبجح بها ، واعتداد التمكن من ذلك نعمة ، والغفلة عن كونه سبب الشقاوة . فكلما غلبت حلاوة الصغيرة عند العبد كبرت الصغيرة وعظم أثرها في تسويد قلبه . حتى أن من المذنبين من يتمدح بذنبه ويتبجح به ، لشدة فرحه بمقارفته إياه . كما يقول . أما رأيتني كيف مزقت عرضه ؟ ويقول المناظر في مناظرته أما رأيتني كيف فضحته ؟ وكيف ذكرت مساويه حتى أخجلته ؟ وكيف استخففت به ؟ وكيف لبست عليه ؟ ويقول المعامل في التجارة : أما رأيت كيف روجت عليه الزائف ؟ وكيف خدعته ؟ وكيف غبنته في ماله ؟ وكيف استحمقته ؟ فهذا وأمثاله تكبر به الصغائر ، فإن الذنوب مهلكات ، وإذا دفع العبد إليها ، وظفر الشيطان به في الحمل عليها ، فينبغي أن يكون في مصيبة وتأسف بسبب غلبة العدو عليه ، وبسبب بعده من الله تعالى . فالمريض الذي يفرح بأن ينكسر إناؤه الذي فيه دواؤه ، حتى يتخلص من ألم شربه ، لا يرجى شفاؤه ومنها أن يتهاون بستر الله عليه ، وحلمه عنه ، وإمهاله إياه ، ولا يدرى أنه إنما يمهل مقتا ليزداد بالإمهال إثما . فيظن أن تمكنه من المعاصي عناية من الله تعالى به . فيكون ذلك لأمنه من مكر الله ، وجهله بمكامن الغرور باللَّه ، كما قال تعالى * ( ويَقُولُونَ في أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا الله بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) * « 1 » ومنها أن يأتي الذنب ويظهره ، بأن يذكره بعد إتيانه . أو يأتيه في مشهد غيره . فإن ذلك جناية منه على ستر الله الذي سدله عليه ، وتحريك لرغبة الشر فيمن أسمعه ذنبه ، أو أشهده
شرح
وحديث لله أفرح بتوبة العبد ولم يبين المرفوع من الموقوف وقد رواه البيهقي في الشعب من هذا الوجه موقوفا ومرفوعا
هامش
« 1 » المجادلة : 8