تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
أفترى أن نبينا محمدا صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] ، لما شغله الثوب الذي كان عليه علم في صلاته حتى نزعه ، [ 2 ] وشغله شراك نعله الذي جدده حتى أعاد الشراك الخلق ، لم يعلم أن ذلك ليس واجبا في شرعه الذي شرعه لكافة عباده ؟ فإذا علم ذلك فلم تاب عنه بتركه ؟ وهل كان ذلك إلا لأنه رآه مؤثرا في قلبه أثرا يمنعه عن بلوغ المقام المحمود الذي قد وعد به ؟ أفترى أن الصديق رضي الله عنه بعد أن شرب اللبن ، وعلم أنه على غير وجهه ، أدخل إصبعه في حلقه ليخرجه ، حتى كاد يخرج معه روحه ، ما علم من الفقه هذا القدر ، وهو أن ما أكله عن جهل فهو غير آثم به ، ولا يجب في فتوى الفقه إخراجه فلم تاب عن شربه بالتدارك على حسب إمكانه بتخلية المعدة عنه ؟ وهل كان ذلك إلا لسر وقر في صدره ، عرفه ذلك السر أن فتوى العامة حديث آخر ، وأن خطر طريق الآخرة لا يعرفه إلا الصديقون ؟ فتأمل أحوال هؤلاء الذين هم أعرف خلق الله باللَّه ، وبطريق الله ، وبمكر الله ، وبمكامن الغرور باللَّه . وإياك مرة واحدة أن تغرك الحياة الدنيا ، وإياك ثم إياك ألف ألف مرة أن يغرك باللَّه الغرور . فهذه أسرار من استنشق مبادى روائحها علم أن لزوم التوبة النصوح ملازم للعبد السالك في طريق الله تعالى ، في كل نفس من أنفاسه ، ولو عمر عمر نوح ، وأن ذلك واجب على الفور من غير مهلة . ولقد صدق أبو سليمان الداراني حيث قال : لو لم يبك العاقل فيما بقي من عمره إلا على تفويت ما مضى منه في غير الطاعة ، لكان خليقا أن يحزنه ذلك إلى الممات . فكيف من يستقبل ما بقي من عمره بمثل ما مضى من جهله ! وإنما قال هذا لأن العاقل إذا ملك جوهرة نفيسة ، وضاعت منه بغير فائدة ، بكى عليها لا محالة . وإن ضاعت منه وصار ضياعها سبب هلاكه ، كان بكاؤه منها أشد . وكل ساعة من العمر ، بل كل نفس جوهرة نفيسة ، لا خلف لها ، ولا بدل منها ، فإنها صالحة لأن توصلك إلى سعادة الأبد ، وتنقذك من شقاوة الأبد . وأي جوهر أنفس من هذا ؟ فإذا ضيعتها في الغفلة ، فقد خسرت خسرانا مبينا . وإن صرفتها إلى معصية ، فقد هلكت هلاكا فاحشا . فإن كنت لا تبكي على هذه المصيبة ، فذلك لجهلك . ومصيبتك بجهلك أعظم من كل مصيبة ،
شرح
[ 1 ] حديث نزعه صلَّى الله عليه وسلم الذي كان عليه في الصلاة : تقدم في الصلاة أيضا . [ 2 ] حديث نزعه الشراك الجديد وإعادة الشراك الخلق : تقدم في الصلاة أيضا