تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
فلا يقبل المحو ، الثاني : أن يعاجله المرض أو الموت ، فلا يجد مهلة للاشتغال بالمحو . ولذلك ورد في الخبر [ 1 ] « إنّ أكثر صياح أهل النّار من التّسويف » فما هلك من هلك إلا بالتسويف . فيكون تسويده القلب نقدا ، وجلاؤه بالطاعة نسيئة ، إلى أن يختطفه الموت فيأتي الله بقلب غير سليم . ولا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم . فالقلب أمانة الله تعالى عند عبده ، والعمر أمانة الله عنده . وكذا سائر أسباب الطاعة . فمن خان في الأمانة ولم يتدارك خيانته ، فأمره مخطر . قال بعض العارفين : إن لله تعالى إلى عبده سرين يسرهما إليه على سبيل الإلهام . أحدهما : إذا خرج من بطن أمه يقول له : عبدي ، قد أخرجتك إلى الدنيا طاهرا نظيفا ، واستودعتك عمرك وائتمنتك عليه ، فانظر كيف تحفظ الأمانة ، وأنظر إلىّ كيف تلقاني . والثاني : عند خروج روحه يقول : عبدي ، ما ذا صنعت في أمانتي عندك ؟ هل حفظتها حتى تلقاني على العهد ، فألقاك على الوفاء ؟ أو أضعتها فألقاك بالمطالبة والعقاب ؟ وإليه الإشارة بقوله تعالى * ( أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ) * « 1 » وبقوله تعالى * ( والَّذِينَ هُمْ لأَماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ ) * « 2 » بيان أن التوبة إذا استجمعت شرائطها فهي مقبولة لا محالة اعلم أنك إذا فهمت معنى القبول ، لم تشك في أن كل توبة صحيحة فهي مقبولة . فالناظرون بنور البصائر المستمدون من أنوار القرءان ، علموا أن كل قلب سليم مقبول عند الله ، ومتنعم في الآخرة في جوار الله تعالى ، ومستعد لأن ينظر بعينه الباقية إلى وجه الله تعالى وعلموا أن القلب خلق سليما في الأصل ، وكل مولود يولد على الفطرة ، وإنما تفوته السلامة بكدورة ترهق وجهه من غبرة الذنوب وظلمتها . وعلموا أن نار الندم تحرق تلك الغبرة ، وأن نور الحسنة يمحو عن وجه القلب ظلمة السيئة ، وأنه لا طاقة لظلام المعاصي مع نور الحسنات ، كما لا طاقة لظلام الليل مع نور النهار ، بل كما لا طاقة لكدورة الوسخ مع بياض الصابون .
شرح
[ 1 ] حديث إن أكثر صياح أهل النار من التسويف : لم أجد له أصلا
هامش
« 1 » البقرة : 40 « 2 » المؤمنون : 8