فإذا كان الخائف من الهلاك في هذه الدنيا المنقضية يجب عليه ترك السموم ، وما يضره من المأكولات في كل حال وعلى الفور ، فالخائف من هلاك الأبد أولى بأن يجب عليه ذلك . وإذا كان متناول السم إذا ندم يجب عليه أن يتقيأ ، ويرجع عن تناوله بإبطاله وإخراجه عن المعدة ، على سبيل الفور والمبادرة ، تلافيا لبدنه المشرف على هلاك لا يفوت عليه إلا هذه الدنيا الفانية ، فمتناول سموم الدين وهي الذنوب أولى بأن يجب عليه الرجوع عنها بالتدارك الممكن ، ما دام يبقى للتدارك مهلة وهو العمر ، فإن المخوف من هذا السم فوات الآخرة الباقية ، التي فيها النعيم المقيم ، والملك العظيم ، وفي فواتها نار الجحيم ، والعذاب المقيم الذي تتصرم أضعاف أعمار الدنيا دون عشر عشير مدته ، إذ ليس لمدته آخر البتة . فالبدار البدار إلى التوبة ، قبل أن تعمل سموم الذنوب بروح الإيمان عملا يجاوز الأمر فيه الأطباء واختيارهم ، ولا ينفع بعده الاحتماء ، فلا ينجع بعد ذلك نصح الناصحين ، ووعظ الواعظين ، وتحق الكلمة عليه بأنه من الهالكين ، ويدخل تحت عموم قوله تعالى * ( إِنَّا جَعَلْنا في أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وجَعَلْنا من بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا ومن خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ وسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) * « 1 » ولا يغرنك لفظ الإيمان فتقول . المراد بالآية الكافر ، إذ بين لك أن الإيمان بضع وسبعون بابا ، وأن الزاني لا يزني حين يزني وهو مؤمن . فالمحجوب عن الإيمان الذي هو شعب وفروع سيحجب في الخاتمة عن الإيمان الذي هو أصل . كما أن الشخص الفاقد لجميع الأطراف التي هي حروف وفروع ، سيساق إلى الموت المعدم للروح التي هي أصل ، فلا بقاء للأصل دون الفرع ، ولا وجود للفرع دون الأصل ، ولا فرق بين الأصل والفرع إلا في شيء واحد ، وهو أن وجود الفرع وبقاءه جميعا يستدعى وجود الأصل ، وأما وجود الأصل فلا يستدعى وجود الفرع فبقاء الأصل بالفرع ، ووجود الفرع بالأصل ، فعلوم المكاشفة وعلوم المعاملة متلازمة كتلازم الفرع والأصل ، فلا يستغنى أحدهما عن الآخر . وإن كان أحدهما في رتبة الأصل والآخر في رتبة التابع . وعلوم المعاملة إذا لم تكن باعثة على العمل فعدمها خير من وجودها
هامش
« 1 » يس : 8 ، 9 ، 10