تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
* ( وما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكِنَّ الله رَمى ) * « 1 » ما قتلت إذ قتلت ، ولكن * ( قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ ) * « 2 » وعند هذا تتحير عقول القاعدين في بحبوحة عالم الشهادة ، فمن قائل إنه جبر محض ، ومن قائل إنه اختراع صرف ، ومن متوسط مائل إلى أنه كسب . ولو فتح لهم أبواب السماء فنظروا إلى عالم الغيب والملكوت ، لظهر لهم أن كل واحد صادق من وجه ، وأن القصور شامل لجميعهم ، فلم يدرك واحد منهم كنه هذا الأمر ، ولم يحط علمه بجوانبه . وتمام علمه ينال بإشراق النور من كوة نافذة إلى عالم الغيب وأنه تعالى عالم الغيب والشهادة لا يظهر على غيبه أحدا ، إلا من ارتضى من رسول . وقد يطلع على الشهادة من لم يدخل في حيز الارتضاء . ومن حرك سلسلة الأسباب والمسببات وعلم كيفية تسلسلها ، ووجه ارتباط مناط سلسلتها بمسبب الأسباب ، انكشف له سر القدر وعلم علما يقينا أن لا خالق إلا الله ، ولا مبدع سواه فإن قلت : قد قضيت على كل واحد من القائلين بالجبر ، والاختراع ، والكسب ، أنه صادق من وجه ، وهو مع صدقه قاصر ، وهذا تناقض ، فكيف يمكن فهم ذلك ؟ وهل يمكن إيصال ذلك إلى الأفهام بمثال ؟ فاعلم أن جماعة من العميان قد سمعوا أنه حمل إلى البلدة حيوان عجيب يسمى الفيل ، وما كانوا قط شاهدوا صورته ، ولا سمعوا اسمه . فقالوا لا بد لنا من مشاهدته ومعرفته باللمس الذي نقدر عليه . فطلبوه ، فلما وصلوا إليه لمسوه . فوقع يد بعض العميان على رجليه ووقع يد بعضهم على نابه ، ووقع يد بعضهم على أذنه . فقالوا قد عرفناه . فلما انصرفوا سألهم بقية العميان ، فاختلف أجوبتهم . فقال الذي لمس الرجل : إن الفيل ما هو إلا مثل أسطوانة خشنة الظاهر ، إلا أنه ألين منها . وقال الذي لمس الناب : ليس كما يقول ، بل هو صلب لا لين فيه ، وأملس لا خشونة فيه ، وليس في غلظ الأسطوانة أصلا ، بل هو مثل عمود : وقال الذي لمس الأذن : لعمري هو لين وفيه خشونة . فصدق أحدهما فيه . ولكن قال . ما هو مثل عمود ، ولا هو مثل أسطوانة ، وإنما هو مثل جلد عريض غليظ . فكل واحد من هؤلاء صدق من وجه ، إذ أخبر كل واحد عما أصابه من معرفة الفيل ،
هامش
« 1 » الأنفال : 17 « 2 » التوبة : 14