تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
الحديث ولذلك أكرمه الله تعالى بأن قال * ( لِيَغْفِرَ لَكَ الله ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ ) * « 1 » وإذا كان هذا حاله ، فكيف حال غيره ؟ فإن قلت : لا يخفى أن ما يطرأ على القلب من الهموم والخواطر نقص ، وأن الكمال في الخلو عنه ، وأن القصور عن معرفة كنه جلال الله نقص ، وأنه كلما ازدادت المعرفة زاد الكمال ، وأن الانتقال إلى الكمال من أسباب النقصان رجوع ، والرجوع توبة ، ولكن هذه فضائل لا فرائض ، وقد أطلقت القول بوجوب التوبة في كل حال ، والتوبة عن هذه الأمور ليست بواجبة ، إذ إدراك الكمال غير واجب في الشرع . فما المراد بقولك التوبة واجبة في كل حال ؟ فاعلم أنه قد سبق أن الإنسان لا يخلو في مبدأ خلقته من اتباع الشهوات أصلا . وليس معنى التوبة تركها فقط ، بل تمام التوبة بتدارك ما مضى . وكل شهوة اتبعها الإنسان ارتفع منها ظلمة إلى قلبه ، كما يرتفع عن نفس الإنسان ظلمة إلى وجه المرآة الصقيلة . فإن تراكمت ظلمة الشهوات صار رينا ، كما يصير بخار النفس في وجه المرآة عند تراكمه خبثا ، كما قال تعالى * ( كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ) * « 2 » فإذا تراكم الرين صار طبعا ، فيطبع على قلبه ، كالخبث على وجه المرآة إذا تراكم وطال زمانه ، غاص في جرم الحديد وأفسده ، وصار لا يقبل الصقل بعده ، وصار كالمطبوع من الخبث . ولا يكفي في تدارك اتباع الشهوات تركها في المستقبل ، بل لا بد من محو تلك الأريان التي انطبعت في القلب . كما لا يكفي في ظهور الصور في المرآة قطع الأنفاس والبخارات المسودة لوجهها في المستقبل ، ما لم يشتغل بمحو ما انطبع فيها من الأريان . وكما يرتفع إلى القلب ظلمة من المعاصي والشهوات ، فيرتفع إليه نور من الطاعات وترك الشهوات . فتنمحى ظلمة المعصية بنور الطاعة . وإليه الإشارة بقوله عليه السّلام [ 1 ] « أتبع السّيّئة الحسنة تمحها » فإذا لا يستغنى العبد في حال من أحواله عن محو آثار السيئات عن قلبه ، بمباشرة حسنات تضاد آثارها آثار تلك السيئات . هذا في قلب حصل أو لا صفاؤه وجلاؤه ، ثم أظلم بأسباب عارضة .
شرح
[ 1 ] حديث أتبع السيئة الحسنة تمحها : الترمذي من حديث أبي ذر بزيادة في أوله وآخره وقال حسن صحيح وقد تقدم في رياضة النفس
هامش
« 1 » الفتح : 2 « 2 » التطفيف : 14
إحياء علوم الدين — صفحة 158 | الغزالي