تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
ولم يخرج واحد في خبره عن وصف الفيل . ولكنهم بجملتهم قصروا عن الإحاطة بكنه صورة الفيل فاستبصر بهذا المثال واعتبر به ، فإنه مثال أكثر ما اختلفت الناس فيه ، وإن كان هذا كلاما يناطح علوم المكاشفة ويحرك أمواجها ، وليس ذلك من غرضنا ، فلنرجع إلى ما كنا بصدده وهو بيان أن التوبة واجبة بجميع أجزائها الثلاثة . العلم ، والندم ، والترك ، وأن الندم داخل في الوجوب ، لكونه واقعا في جملة أفعال الله المحصورة بين علم العبد ، وإرادته ، وقدرته المتخللة بينها ، وما هذا وصفه فاسم الوجوب يشمله بيان أن وجوب التوبة على الفور أما وجوبها على الفور فلا يستراب فيه . إذ معرفة كون المعاصي مهلكات من نفس الإيمان ، وهو واجب على الفور . والمتفصى عن وجوبه هو الذي عرفه معرفة زجره ذلك عن الفعل المكروه . فإن هذه المعرفة ليست من علوم المكاشفات التي لا تتعلق بعمل ، بل هي من علوم المعاملة . وكل علم يراد ليكون باعثا على عمل فلا يقع التفصي عن عهدته ما لم يصر باعثا عليه . فالعلم بضرر الذنوب إنما أريد ليكون باعثا على تركها فمن لم يتركها فهو فاقد لهذا الجزء من الإيمان . وهو المراد بقوله عليه السّلام [ 1 ] « لا يزني الزّانى حين يزني وهو مؤمن » وما أراد به نفى الإيمان الذي يرجع إلى علوم المكاشفة ، كالعلم باللَّه ، ووحدانيته ، وصفاته ، وكتبه ، ورسله ، فإن ذلك لا ينفيه الزنا والمعاصي . وإنما أراد به نفى الإيمان لكون الزنا مبعدا عن الله تعالى . موجبا للمقت . كما إذا قال الطبيب ، هذا سم فلا تتناوله فإذا تناوله يقال تناول وهو غير مؤمن ، لا بمعنى أنه غير مؤمن بوجود الطبيب ، وكونه طبيبا وغير مصدق به ، بل المراد أنه غير مصدق بقوله إنه سم مهلك . فإن العالم بالسم لا يتناوله أصلا . فالعاصى بالضرورة ناقص الإيمان . وليس الإيمان بابا واحدا ، بل هو نيف وسبعون بابا ، أعلاها شهادة ان لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق . ومثاله قول القائل .
شرح
[ 1 ] حديث لا يزني الزّانى حين يزني وهو مؤمن : متفق عليه من حديث أبي هريرة
إحياء علوم الدين — صفحة 153 | الغزالي