فإن هي لم تعمل عملها الذي تراد له ، قامت مؤيدة للحجة على صاحبها ، ولذلك يزاد في عذاب العالم الفاجر على عذاب الجاهل الفاجر ، كما أوردنا من الأخبار في كتاب العلم
بيان أن وجوب التوبة عام في الأشخاص والأحوال فلا ينفك عنه أحد البتة
اعلم أن ظاهر الكتاب قد دل على هذا ، إذ قال تعالى * ( وتُوبُوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) * « 1 » فعمم الخطاب . ونور البصيرة أيضا يرشد إليه ، إذ معنى التوبة الرجوع عن الطريق المبعد عن الله ، المقرب إلى الشيطان . ولا يتصور ذلك إلا من عاقل ، ولا تكمل غريزة العقل إلا بعد كمال غريزة الشهوة ، والغضب ، وسائر الصفات المذمومة التي هي وسائل الشيطان إلى إغواء الإنسان ، إذ كمال العقل إنما يكون عند مقارنة الأربعين . وأصله إنما يتم عند مراهقة البلوغ ، ومباديه تظهر بعد سبع سنين ، والشهوات جنود الشيطان ، والعقول جنود الملائكة ، فإذا اجتمعا قام القتال بينهما بالضرورة ، إذ لا يثبت أحدهما للآخر لأنهما ضدان ، فالتطارد بينهما كالتطارد بين الليل والنهار ، والنور والظلمة . ومهما غلب أحدهما أزعج الآخر بالضرورة . وإذا كانت الشهوات تكمل في الصبا والشباب قبل كمال العقل ، فقد سبق جند الشيطان ، واستولى على المكان ، ووقع للقلب به أنس ، وألف لا محالة مقتضيات الشهوات بالعادة . وغلب ذلك عليه ، ويعسر عليه النزوع عنه . ثم يلوح العقل الذي هو حزب الله وجنده ، ومنقذ أوليائه من أيدي أعدائه شيئا فشيئا على التدريج ، فإن لم يقو ولم يكمل ، سلمت مملكة القلب للشيطان ، وأنجز اللعين موعده حيث قال * ( لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَه ُ إِلَّا قَلِيلًا ) * « 2 » وإن كمل العقل وقوى ، كان أوّل شغله قمع جنود الشيطان بكسر الشهوات ، ومفارقة العادات ، ورد الطبع على سبيل القهر إلى العبادات ولا معنى للتوبة إلا هذا ، وهو الرجوع عن طريق ، دليله الشهوة ، وخفيره الشيطان ، إلى طريق الله تعالى . وليس في الوجود آدمي إلا وشهوته سابقة على عقله ، وغريزته التي هي عدة الشيطان متقدمة على غريزته التي هي عدة الملائكة ، فكان الرجوع عما سبق
هامش
« 1 » النور : 31
« 2 » الاسراء : 62