تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
إليه على مساعدة الشهوات ضروريا في حق كل إنسان ، نبيا كان أو غبيا ، فلا تظنن أن هذه الضرورة اختصت بآدم عليه السّلام . وقد قيل .
فلا تحسبن هندا لها الغدر وحدها سجية نفس كل غانية هند
بل هو حكم أزلي مكتوب على جنس الإنس ، لا يمكن فرض خلافه ما لم تتبدل السنة الإلهية التي لا مطمع في تبديلها . فإذا كل من بلغ كافرا جاهلا فعليه التوبة من جهله وكفره . فإذا بلغ مسلما تبعا لأبويه ، غافلا عن حقيقة إسلامه ، فعليه التوبة من غفلته بتفهم معنى الإسلام ، فإنه لا يغنى عنه إسلام أبويه شيئا ما لم يسلم بنفسه ، فإن فهم ذلك فعليه الرجوع عن عادته وإلفه للاسترسال وراء الشهوات من غير صارف ، بالرجوع إلى قالب حدود الله في المنع والإطلاق ، والانفكاك ، والاسترسال ، وهو من أشق أبواب التوبة ، وفيه هلك الأكثرون ، إذ عجزوا عنه . وكل هذا رجوع وتوبة . فدل أن التوبة فرض عين في حق كل شخص ، لا يتصور أن يستغنى عنها أحد من البشر ، كما لم يستغن آدم فخلقة الولد لا تتسع لما لم يتسع له خلقة الوالد أصلا وأما بيان وجوبها على الدوام ، وفي كل حال ، فهو أن كل بشر فلا يخلو عن معصية بجوارحه . إذ لم يخلو عنه الأنبياء ، كما ورد في القرءان والأخبار من خطايا الأنبياء ، وتوبتهم ، وبكائهم على خطاياهم . فإن خلافي بعض الأحوال عن معصية الجوارح ، فلا يخلو عن الهم بالذنوب بالقلب . فإن خلافي بعض الأحوال عن الهم ، فلا يخلو عن وسواس الشيطان بإيراد الخواطر المتفرقة المذهلة عن ذكر الله . فإن خلا عنه ، فلا يخلو عن غفلة وقصور في العلم باللَّه ، وصفاته ، وأفعاله . وكل ذلك نقص ، وله أسباب ، وترك أسبابه بالتشاغل بأضدادها رجوع عن طريق إلى ضده ، والمراد بالتوبة الرجوع . ولا يتصور الخلو في حق الآدمي عن هذا النقص ، وإنما يتفاوتون في المقادير . فأما الأصل فلا بد منه . ولهذا قال عليه السّلام [ 1 ] « إنّه ليغان على قلبي حتّى أستغفر الله في اليوم واللَّيلة سبعين مرّة »
شرح
[ 1 ] حديث انه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة : مسلم من حديث الأغر المزني الا أنه قال في اليوم مائة مرة وكذا عند أبي داود وللبخاري من حديث أبي هريرة انى لأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة وفي رواية البيهقي في الشعب سبعين لم يقل أكثر وتقدم في الأذكار والدعوات
إحياء علوم الدين — صفحة 157 | الغزالي