حتى وصل إلى الحجاب الأقرب الذي لا وصول إلا بعده ، فقال هذا أكبر . فلما ظهر له أنه مع عظمه غير خال عن الهوى في حضيض النقص ، والانحطاط عن ذروة الكمال قال لا أحب الآفلين ، إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض وسالك هذه الطريق قد يغتر في الوقوف على بعض هذه الحجب ، وقد يغتر بالحجاب الأول . وأول الحجب بين الله وبين العبد هو نفسه . فإنه أيضا أمر رباني ، وهو نور من أنوار الله تعالى ، أعنى سر القلب الذي تتجلى فيه حقيقة الحق كله ، حتى أنه ليتسع لجملة العالم ويحيط به ، وتنجلي فيه صورة الكل . وعند ذلك يشرق نوره إشراقا عظيما ، إذ يظهر فيه الوجود كله على ما هو عليه ، وهو في أول الأمر محجوب بمشكاة هي كالساتر له ، فإذا تجلى نوره ، وانكشف جمال القلب بعد إشراق نور الله عليه ، وربما التفت صاحب القلب إلى القلب ، فيرى من جماله الفائق ما يدهشه ، وربما يسبق لسانه في هذه الدهشة فيقول : أنا الحق . فإن لم يتضح له ما وراء ذلك اغتر به ، ووقف عليه وهلك ، وكان قد اغتر بكوكب صغير من أنوار الحضرة الإلهية ، ولم يصل بعد إلى القمر فضلا عن الشمس . فهو مغرور .
وهذا محل الالتباس . إذ المتجلى يلتبس بالمتجلى فيه ، كما يلتبس لون ما يتراءى في المرآة بالمرآة فيظن أنه لون المرآة ، وكما يلتبس ما في الزجاج بالزجاج ، كما قيل
رق الزجاج ورقت الخمر
فتشابها فتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قدح
وكأنما قدح ولا خمر
وبهذه العين نظر النصارى إلى المسيح ، فرأوا إشراق نور الله قد تلألأ فيه ، فغلطوا فيه ، كمن يرى كوكبا في مرآة أو في ماء ، فيظن أن الكوكب في المرآة أو في الماء ، فيمد يده إليه ليأخذه وهو مغرور وأنواع الغرور في طريق السلوك إلى الله تعالى لا تحصى في مجلدات ، ولا تستقصى إلا بعد شرح جميع علوم المكاشفة ، وذلك مما لا رخصة في ذكره . ولعل القدر الذي ذكرناه أيضا كان الأولى تركه ، إذ السالك لهذا الطريق لا يحتاج إلى أن يسمعه من غيره ، والذي لم يسلكه لا ينتفع بسماعه ، بل ربما يستضربه ، إذ يورثه ذلك دهشة من حيث يسمع ما لا يفهم . ولكن فيه فائدة وهو إخراجه من الغرور الذي هو فيه . بل ربما يصدق بأن الأمر أعظم مما يظنه ومما يتخيله