تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
التوكل ، وليس يدرى أن ذلك بدعة لم تنقل عن السلف والصحابة ، وقد كانوا أعرف بالتوكل منه ، فما فهموا أن التوكل المخاطرة بالروح وترك الزاد ، بل كانوا يأخذون الزاد وهم متوكلون على الله تعالى لا على الزاد . وهذا ربما يترك الزاد وهو متوكل على سبب من الأسباب ، واثق به . وما من مقام من المقامات المنجيات إلا وفيه غرور ، وقد اغتر به قوم . وقد ذكرنا مداخل الآفات في ربع المنجيات من الكتاب ، فلا يمكن إعادتها وفرقة أخرى ضيقت على نفسها في أمر القوت ، حتى طلبت منه الحلال الخالص ، وأهملوا تفقد القلب والجوارح في غير هذه الخصلة الواحدة . ومنهم من أهمل الحلال في مطعمه ، وملبسه ، ومسكنه ، وأخذ يتعمق في غير ذلك ، وليس يدرى المسكين أن الله تعالى لم يرض من عبده بطلب الحلال فقط ، ولا يرضى بسائر الأعمال دون طلب الحلال ، بل لا يرضيه إلا تفقد جميع الطاعات والمعاصي . فمن ظن أن بعض هذه الأمور يكفيه وينجيه فهو مغرور وفرقة أخرى ادعوا حسن الخلق ، والتواضع ، والسماحة ، فتصدوا لخدمة الصوفية ، فجمعوا قوما وتكلفوا بخدمتهم ، واتخذوا ذلك شبكة للرئاسة وجمع المال . وإنما غرضهم التكبر ، وهم يظهرون الخدمة والتواضع . وغرضهم الارتفاع ، وهم يظهرون أن غرضهم الإرفاق وغرضهم الاستتباع ، وهم يظهرون أن غرضهم الخدمة والتبعية . ثم إنهم يجمعون من الحرام والشبهات ، وينفقون عليهم ، لتكثر أتباعهم ، وينشر بالخدمة اسمهم . وبعضهم يأخذ أموال السلاطين ينفق عليهم وبعضهم بأخذها لينفق في طريق الحج على الصوفية ، ويزعم أن غرضه البر والإنفاق . وباعث جميعهم الرياء والسمعة . وآية ذلك إهمالهم لجميع أوامر الله تعالى عليهم ظاهرا وباطنا ، ورضاهم بأخذ الحرام والإنفاق منه . ومثال من ينفق الحرام في طريق الحج لإرادة الخير ، كمن يعمر مساجد الله فيطينها بالعذرة ، ويزعم أن قصده العمارة وفرقة أخرى اشتغلوا بالمجاهدة ، وتهذيب الأخلاق ، وتطهير النفس من عيوبها ، وصاروا يتعمقون فيها ، فاتخذوا البحث عن عيوب النفس ومعرفة خدعها علما وحرفة ، فهم في جميع أحوالهم مشغولون بالفحص عن عيوب النفس ، واستنباط دقيق الكلام في آفاتها فيقولون هذا في النفس عيب ، والغفلة عن كونه عيبا عيب ، والالتفات إلى كونه عيبا عيب ويشغفون فيه بكلمات مسلسلة تضيع الأوقات في تلفيقها . ومن جعل طول عمره في التفتيش
إحياء علوم الدين — صفحة 125 | الغزالي