تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
عن عيوب وتحرير علم علاجها ، كان كمن اشتغل بالتفتيش عن عوائق الحج وآفاته ولم يسلك طريق الحج ، فذلك لا يغنيه . وفرقة أخرى جاوزوا هذه الرتبة . وابتدؤا سلوك الطريق ، وانفتح لهم أبواب المعرفة ، فكلما تشمموا من مبادى المعرفة رائحة تعجبوا منها ، وفرحوا بها ، وأعجبتهم غرابتها ، فتقيدت قلوبهم بالالتفات إليها ، والتفكر فيها وفي كيفية انفتاح بابها عليهم ، وانسداده على غيرهم ، وكل ذلك غرور ، لأن عجائب طريق الله ليس لها نهاية . فلو وقف مع كل أعجوبة وتقيد بها ، قصرت خطاه ، وحرم الوصول إلى المقصد وكان مثاله مثال من قصد ملكا ، فرأى على باب ميدانه روضة فيها أزهار وأنوار ، لم يكن قد رأى قبل ذلك مثلها ، فوقف ينظر إليها ويتعجب حتى فاته الوقت الذي يمكن فيه لقاء الملك وفرقة أخرى جاوزوا هؤلاء ، ولم يلتفتوا إلى ما يفيض عليهم من الأنوار في الطريق ، ولا إلى ما تيسر لهم من العطايا الجزيلة ، ولم يعرجوا على الفرح بها ، والالتفات إليها ، جادين في السير حتى قاربوا ، فوصلوا إلى حد القربة إلى الله تعالى ، فظنوا أنهم قد وصلوا إلى الله ، فوقفوا وغلطوا ، فإن لله تعالى سبعين حجابا من نور ، لا يصل السالك إلى حجاب من تلك الحجب في الطريق إلا ويظن أنه قد وصل . وإليه الإشارة بقول إبراهيم عليه السّلام ، إذ قال الله تعالى إخبارا عنه * ( فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْه ِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي ) * « 1 » وليس المعنى به هذه الأجسام المضيئة ، فإنه كان يراها في الصغر ، ويعلم أنها ليست آلهة ، وهي كثيرة وليست واحدا . والجهال يعلمون أن الكوكب ليس بإله . فمثل إبراهيم عليه السّلام لا يغره الكوكب الذي لا يغر السوادية . ولكن المراد به أنه نور من الأنوار التي هي من حجب الله عز وجل ، وهي على طريق السالكين . ولا يتصور الوصول إلى الله تعالى إلا بالوصول إلى هذه الحجب ، وهي حجب من نور بعضها أكبر من بعض ، وأصغر النيرات الكوكب ، فاستعير له لفظه ، وأعظمها الشمس ، وبينهما رتبة القمر . فلم يزل إبراهيم عليه السلام لما رأى ملكوت السماوات ، حيث قال تعالى * ( وكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأَرْضِ ) * « 2 » يصل إلى نور بعد نور ، ويتخيل إليه في أوّل ما كان يلقاه أنه قد وصل ، ثم كان يكشف له أن وراءه أمرا ، فيترقى إليه ويقول قد وصلت ، فيكشف له ما وراءه
هامش
« 1 » الأنعام : 76 « 2 » الأنعام : 75