تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
الجاهلين ، لم يحكم قط علما . ولم يهذب خلقا ، ولم يرتب عملا ، ولم يراقب قلبا سوى اتباع الهوى وتلقف الهذيان وحفظه وفرقة أخرى وقعت في الإباحة ، وطووا بساط الشرع ، ورفضوا الأحكام ، وسووا بين الحلال والحرام . فبعضهم يزعم أن الله مستغن عن عملي ، فلم أتعب نفسي ؟ وبعضهم يقول قد كلف الناس تطهير القلوب عن الشهوات وعن حب الدنيا ، وذلك محال ، فقد كلفوا ما لا يمكن ، وإنما يغتر به من لم يجرب ، وأما نحن فقد جربنا وأدركنا أن ذلك محال ولا يعلم الأحمق أن الناس لم يكلفوا قلع الشهوة والغضب من أصلهما ، بل إنما كلفوا قلع مادتهما ، بحيث ينقاد كل واحد منهما لحكم العقل والشرع . وبعضهم يقول : الأعمال بالجوارح لا وزن لها ، وإنما النظر إلى القلوب ، وقلوبنا والهة بحب الله ، وواصلة إلى معرفة الله ، وإنما نخوض في الدنيا بأبداننا ، وقلوبنا عاكفة في الحضرة الربوبية ، فنحن مع الشهوات بالظواهر لا بالقلوب . ويزعمون أنهم قد ترقوا عن رتبة العوام ، واستغنوا عن تهذيب النفس بالأعمال البدنية ، وأن الشهوات لا تصدهم عن طريق الله لقوتهم فيها ، ويرفعون درجة أنفسهم على درجة الأنبياء عليهم السلام ، إذ كانت تصدهم عن طريق الله خطيئة واحدة ، حتى كانوا يبكون عليها وينوحون سنين متوالية . وأصناف غرور أهل الإباحة من المتشبهين بالصوفية لا تحصى . وكل ذلك بناء على أغاليط ووساوس يخدعهم الشيطان بها لاشتغالهم بالمجاهدة قبل إحكام العلم ، ومن غير اقتداء بشيخ متقن في الدين والعلم ، صالح للاقتداء به ، وإحصاء أصنافهم يطول . وفرقة أخرى جاوزت حد هؤلاء ، واجتنبت الأعمال ، وطلبت الحلال ، واشتغلت بتفقد القلب ، وصار أحدهم يدعى المقامات من الزهد ، والتوكل ، والرضا ، والحب من غير وقوف على حقيقة هذه المقامات ، وشروطها وعلاماتها ، وآفاتها . فمنهم من يدعى الوجد والحب لله تعالى ، ويزعم أنه واله باللَّه ، ولعله قد تخيل في الله خيالات هي بدعة أو كفر ، فيدعى حب الله قبل معرفته ، ثم إنه لا يخلو عن مقارفة ما يكره الله عز وجل ، وعن إيثار هوى نفسه على أمر الله ، وعن ترك بعض الأمور حياء من الخلق ولو خلا لما تركه حياء من الله تعالى ، وليس يدرى أن كل ذلك يناقض الحب وبعضهم ربما يميل إلى القناعة والتوكل ، فيخوض البوادي من غير زاد ، ليصحح دعوى