الرمان من الغضب ، فقال « ألهذا بعثتم أبهذا أمرتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض انظروا إلى ما أمرتم به فاعلموا وما نهيتم عنه فانتهوا » فقد زجرهم عن ذلك ، وكانوا أولى خلق الله بالحجاج والجدال . ثم إنهم رأوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلم وقد بعث إلى كافة أهل الملل ، فلم يقعد معهم في مجلس مجادلة لإلزام ، وإفحام ، وتحقيق حجة ودفع سؤال ، وإيراد إلزام . فما جادلهم إلا بتلاوة القرءان المنزل عليهم . ولم يزد في المجادلة عليه لان ذلك يشوش القلب ، ويستخرج منها الإشكالات والشبه ثم لا يقدر على محوها من قلوبهم . وما كان يعجز عن مجادلتهم بالتقسيمات ودقائق الأقيسة ، وأن يعلم أصحابه كيفية الجدل والإلزام . ولكن الأكياس وأهل الحزم لم يغتروا بهذا ، وقالوا لو نجا أهل الأرض وهلكنا لم تنفعنا نجاتهم ، ولو نجونا وهلكوا لم يضرنا هلاكهم ، وليس علينا في المجادلة أكثر مما كان على الصحابة مع اليهود ، والنصارى ، وأهل الملل ، وما ضيعوا العمر بتحرير مجادلاتهم ، فما لنا نضيع العمر ولا نصرفه إلى ما ينفعنا في يوم فقرنا وفاقتنا ؟ ولم نخوض فيما لا نأمن على أنفسنا الخطأ في تفاصيله ؟ ثم نرى أن المبتدع ليس يترك بدعته بجداله . بل يزيده التعصب والخصومة تشددا في بدعته . فاشتغالى بمخاصمة نفسي ومجادلتها ، ومجاهدتها لتترك الدنيا للآخرة أولى . هذا لو كنت لم أنه عن الجدل والخصومة ، فكيف وقد نهيت عنه ! وكيف أدعو إلى السنة بترك السنة ! فالأولى أن أتفقد نفسي ، وأنظر من صفاتها ما يبغضه الله تعالى وما يحبه ، لأتنزه عما يبغضه وأتمسك بما يحبه .
وفرقة أخرى اشتغلوا بالوعظ والتذكير .
وأعلاهم رتبة من يتكلم في أخلاق النفس وصفات القلب ، من الخوف ، والرجاء ، والصبر ، والشكر ، والتوكل ، والزهد ، واليقين والإخلاص ، والصدق ونظائره ، وهم مغرورون ، يظنون بأنفسهم أنهم إذا تكلموا بهذه الصفات ، ودعوا الخلق إليها ، فقد صاروا موصوفين بهذه الصفات ، وهم منفكون عنها عند الله ، إلَّا عن قدر يسير لا ينفك عنه عوام المسلمين . وغرور هؤلاء أشد الغرور لأنهم يعجبون بأنفسهم غاية الإعجاب ، ويظنون أنهم ما تبحروا في علم المحبة إلا وهم محبون لله ، وما قدروا على تحقيق دقائق الإخلاص إلا وهم مخلصون ، وما وقفوا على خفايا عيوب النفس إلا وهم عنها منزهون . ولولا أنه مقرب عند الله لما عرفه معنى القرب ، والبعد ، وعلم السلوك
إحياء علوم الدين — صفحة 107
مساهمون: الغزالي
ص١٠٧